خمسة أخطاء في كل مليون: كوانتينيوم تعلن رقماً قياسياً في تصحيح أخطاء الحوسبة الكمومية، فماذا تقيس “99.9995%” فعلاً، وما الذي لا تقيسه؟
ما الذي حدث؟
في 19 أكتوبر 2026 نشرت كوانتينيوم، الشركة التي تتخذ من ولاية كولورادو مقراً لها، بياناً قالت فيه إنها حطمت الرقم القياسي العالمي لتصحيح الأخطاء الكمومية بعامل عشرة. أُجريت التجربة على “هيليوس”، حاسوبها التجاري المبني على الأيونات المحتجزة، والذي يضم 98 كيوبتاً فيزيائياً. وأرفقت الشركة ورقة بحثية بعنوان “تصحيح الأخطاء الكمومية تحت عتبة شيفرة الألوان بفارق كبير”، وقّعها 23 باحثاً.
وجاء الإعلان بعد شهر واحد فقط من رقم سابق سجلته الشركة في سبتمبر 2026 على الجهاز نفسه باستخدام شيفرة أخرى اسمها “هيليكس”. وتقول كوانتينيوم إن النتيجة الجديدة تضعها ضمن النطاق المستهدف لجهازها “أبولو” المتسامح مع الأخطاء، المخطط له بحلول 2029.
الأرقام والمعطيات
بحسب الورقة البحثية، اختبر الفريق شيفرات ألوان مثلثية بثلاث “مسافات” هي 3 و5 و7:
- عدد الكيوبتات الفيزيائية لكل كيوبت منطقي: 13 للمسافة 3، و37 للمسافة 5، و73 للمسافة 7.
- الخطأ المنطقي في كل دورة تصحيح: نحو 5.5 في كل عشرة آلاف عند المسافة 3، ونحو 3.8 في كل مئة ألف عند المسافة 5، ونحو 5 في كل مليون عند المسافة 7. والرقم الأخير هو أصل عبارة “99.9995%”.
- معامل خفض الخطأ (لامدا): 12 تقريباً، أي أن كل زيادة في المسافة خفضت الخطأ المتبقي نحو 12 مرة.
- خطأ البوابة الفيزيائية ثنائية الكيوبت: نحو 8.4 في كل عشرة آلاف، شاملاً التسرب.
- مدة التجربة: 20 دورة متتالية لاستخراج “المتلازمة”، وهي القياسات التي تكشف الخطأ دون أن تقرأ المعلومة نفسها.
وللمقارنة، ذكر تحليل موقع PostQuantum أن نتيجة غوغل الشهيرة على شريحة “ويلو” عام 2024 بلغت خطأً قدره 0.143% في الدورة عند المسافة 7 بشيفرة السطح، بمعامل خفض 2.14.
شرح مبسط: كيف يُصنع كيوبت لا يخطئ من كيوبتات تخطئ؟
الكيوبت الفيزيائي هش. أي اهتزاز أو حرارة أو ضوء شارد يغير حالته. والحل يشبه فكرة التكرار في الاتصالات: توزع معلومة كيوبت واحد على عدة كيوبتات، ثم تقيس باستمرار علاقات بينها، لا قيمها، فتعرف أين وقع الخطأ وتصححه.
“المسافة” هي عدد الأخطاء التي تحتاجها الطبيعة لتفسد المعلومة دون أن تكتشفها الشيفرة. كلما كبرت المسافة زاد عدد الكيوبتات، وزادت أيضاً فرص وقوع أخطاء جديدة. ولهذا توجد “عتبة”: إذا كانت الكيوبتات الفيزيائية جيدة بما يكفي، فإن تكبير الشيفرة يخفض الخطأ. وإذا كانت أسوأ من العتبة، فإن التكبير يزيد الأمر سوءاً.
شيفرة الألوان ترتب الكيوبتات على شبكة من مضلعات تُلوَّن بثلاثة ألوان، ولها ميزة مهمة: تسمح بتنفيذ عمليات منطقية كثيرة بسهولة أكبر من شيفرة السطح. لكنها تحتاج إلى قياسات أعقد، ولذلك كانت نتائجها التجريبية أضعف تاريخياً. والأيونات المحتجزة تساعد هنا، لأن أي أيون يمكن أن يتفاعل مع أي أيون آخر، بدل الاقتصار على الجيران كما في الشرائح فائقة التوصيل.
رأي: معامل الخفض هو الخبر، لا التسعات الخمس
أرى أن أهم رقم في الإعلان ليس 99.9995%، بل معامل الخفض 12. فهذا الرقم يحدد كم كيوبتاً فيزيائياً ستحتاج لتبلغ دقة معينة. ومعامل كبير يعني شيفرة أصغر للدقة نفسها، أي جهازاً أصغر وأرخص. وقدّر تحليل PostQuantum أن آلة بمعامل 12 تحتاج إلى مسافة نحو 21 لتبلغ هدفاً ما، مقابل نحو 63 بمعامل شيفرة السطح في “ويلو”.
لكن على المهندس أن يقرأ الحدود بالدقة نفسها. أولاً، رقم المسافة 7 يستند، بحسب التحليل نفسه، إلى ثلاث حالات فشل منطقي فقط في نحو 29 ألف تشغيل، فهامش عدم اليقين واسع. ثانياً، “الدورة” ليست عملية حسابية مفيدة، بل دورة حفظ للمعلومة. أما البوابات المنطقية فاختُبرت حتى المسافة 5 فقط، وخطؤها نحو 7 في كل مئة ألف، ومعاملها 9 بهامش كبير. ثالثاً، الورقة نسخة أولية لم تخضع بعد لمراجعة الأقران. ورابعاً، وهذا ما يغيب عن العناوين، السرعة: دورة “هيليوس” تستغرق نحو 200 ميلي ثانية، مقابل نحو 1.1 ميكروثانية في “ويلو”. أي أن الأيونات أدق بكثير، لكنها أبطأ بمئات آلاف المرات.
إذن المنافسة ليست سؤال “من الأدق؟” بل سؤال هندسي كلاسيكي: ما المقايضة الأفضل بين الدقة والسرعة والحجم؟ ونتيجة كوانتينيوم تقول إن الأيونات حسمت جانب الدقة مؤقتاً، وإن التحدي القادم عندها هو التسريع والتكبير. والمطلوب منا في المنطقة العربية أن نقرأ هذه السباقات بعين المهندس لا بعين المستثمر، خاصة مع اهتمام جامعات ومراكز خليجية ومصرية بالحوسبة الكمومية.
دروس عملية للمهندس
- اسأل عن معامل الخفض قبل نسبة الدقة. نسبة عالية عند مسافة واحدة لا تقول كيف سيتصرف النظام عند التكبير.
- ميّز بين حفظ المعلومة والحساب بها. تجارب الذاكرة أسهل من البوابات المنطقية، والأخيرة هي ما يصنع خوارزمية.
- اقرأ حجم العينة. ثلاثة أحداث فشل لا تكفي لرقم دقيق، مهما كانت الفاصلة العشرية طويلة.
- احسب الزمن مع الخطأ. دقة عالية بدورة بطيئة قد تعني حساباً يستغرق شهوراً.
- فرّق بين ورقة أولية ونتيجة محكّمة. الإعلانات التجارية تسبق المراجعة العلمية غالباً.
المصادر
- Quantinuum، “Quantinuum Breaks Error-Correction World Record by 10x, Validating Its Leading Path to Fault-Tolerant Quantum Computing by 2029” (19 أكتوبر 2026)
- Quantinuum، الورقة البحثية “Quantum Error Correction Well Below the Color Code Threshold” (أكتوبر 2026)
- The Quantum Insider، “Quantinuum Reports a 10x Reduction in Logical Error Rate on Helios” (19 أكتوبر 2026)
- PostQuantum، “Quantinuum Color Code on Helios: 12x Error Suppression” (20 أكتوبر 2026)
- Interesting Engineering، “World’s most precise quantum computer hits 99.9995% accuracy, slashes errors 10x” (20 أكتوبر 2026)

