الأربعاء, أكتوبر 21, 2026
الطاقةالمغرب العربي

غاز “البوري” يكفّ عن الاحتراق في البحر: إيني والمؤسسة الوطنية للنفط تنهيان مشروع استغلال الغاز المصاحب، فكم كهرباء تخسرها ليبيا كل يوم في الشعلات؟

ما الذي حدث؟

في 19 أكتوبر 2026 أعلنت شركة إيني الإيطالية أنها والمؤسسة الوطنية للنفط الليبية، عبر شركتهما المشتركة مليتة للنفط والغاز، أنجزتا مشروع استغلال الغاز في حقل البوري (Bouri Gas Utilization Project) في المنطقة البحرية الغربية لليبيا، وأن إجراءات بدء التشغيل جارية. وفي اليوم نفسه نقل موقع “ليبيا هيرالد” عن المؤسسة الوطنية للنفط أنها تستكمل الإجراءات التشغيلية النهائية، وأن المشروع سيدخل الخدمة بنهاية أكتوبر 2026.

جوهر المشروع وحدة جديدة لاستعادة الغاز (Gas Recovery Module) مع المعدات السطحية وخطوط الأنابيب والبنية المرتبطة بها، والهدف أن يُجمع الغاز المصاحب لإنتاج النفط ويُعالج ويُرسل إلى البر، بدل أن يُحرق في الشعلات كما كان يحدث لعقود.

الأرقام

  • الغاز المستعاد: نحو 100 مليون قدم مكعبة يومياً، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط.
  • الإنتاج الإضافي: نحو 700 مليون متر مكعب قياسي سنوياً، بحسب إيني، أي قرابة 25 مليار قدم مكعبة كما ذكرت المؤسسة.
  • خفض الانبعاثات: نحو 1.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
  • الوجهة: السوق المحلية، وخاصة محطات توليد الكهرباء، مع إمكانية تصدير كميات إضافية إلى أوروبا عبر خط “غرين ستريم”.
  • المنصات: المنصتان DP3 وDP4، وتذكر منصة “الطاقة” أنهما تغذيان الوحدة الجديدة بنحو 120 مليون قدم مكعبة يومياً.
  • التنفيذ: وحدة معالجة يزيد وزنها على 5200 طن صُنعت في مرسى رافينا الإيطالي ورُفعت على المنصة DP4 في يونيو 2026 بسفينة الرفع الثقيل “سايبم 7000”، وبدأ ما قبل التشغيل لخطوط بحرية بطول 28 كيلومتراً تربط المنصتين بمجمع مليتة، بحسب “الطاقة”.
  • الحقل: يقع على بعد نحو 120 كيلومتراً من الساحل، وبدأ إنتاجه في أغسطس 1988، وهو أول حقل بحري يُطوَّر في ليبيا.

الفكرة الهندسية: لماذا يُحرق الغاز أصلاً؟

حين يخرج النفط من البئر يخرج معه غاز كان ذائباً فيه تحت ضغط المكمن. على المنصة يُفصل الخليط في أوعية فصل، فيذهب النفط إلى خط التصدير، ويبقى الغاز بضغط منخفض. ولكي يصل هذا الغاز إلى البر عبر عشرات الكيلومترات من الأنابيب البحرية، يجب أن يُضغط من بضعة بارات إلى عشرات البارات، وأن تُنزع منه الرطوبة والسوائل الثقيلة حتى لا تتكون الهيدرات وتسد الخط في مياه البحر الباردة.

هذه الخطوات تحتاج ضواغط ووحدات تجفيف ومولدات تشغيلها، ومساحة ووزناً على منصة لم تُصمم لها. ولذلك كان الحل الأرخص عند تصميم الحقول القديمة هو الشعلة: أنبوب طويل يحرق الغاز بأمان. والمشروع الجديد يعالج هذا القيد بالضبط، إذ تُصنع الوحدة كاملة في ساحة تصنيع على البر وتُرفع قطعة واحدة على المنصة، فتقل أعمال الربط في البحر إلى الحد الأدنى. وهذا يفسر وجود سفينة رفع بحجم “سايبم 7000” في القصة: فكلما كبرت القطعة المرفوعة قلّ عمل اللحام والاختبار فوق منصة تعمل.

كم كهرباء يعني ذلك؟

تقدير تقريبي بافتراضات منا، لا من الشركتين: 700 مليون متر مكعب سنوياً تعني في المتوسط نحو 1.9 مليون متر مكعب يومياً. وإذا احترق هذا الغاز في محطة دورة مركبة حديثة بكفاءة نحو 55%، فإنه ينتج قرابة 3.9 تيراواط ساعة سنوياً، أي ما يعادل تشغيل محطة بقدرة 440 ميجاوات تقريباً على مدار السنة. وفي محطات بخارية أو غازية بسيطة أقل كفاءة، يهبط الرقم إلى ما بين 250 و300 ميجاوات.

ولاحظ أن 700 مليون متر مكعب سنوياً تقابل نحو 68 مليون قدم مكعبة يومياً في المتوسط، أي أقل من سعة الالتقاط المعلنة البالغة 100 مليون. والفرق طبيعي: فالسعة الاسمية تُصمم لذروة إنتاج الغاز، بينما يتراجع الغاز المصاحب مع تراجع إنتاج النفط في حقل قديم.

رأي: المكسب الحقيقي ليس رقم الانبعاثات

أرى أن رقم 1.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، على أهميته، ليس أدق وصف لقيمة المشروع. فالغاز الذي كان يُحرق في الشعلة سيُحرق الآن في محطة كهرباء، وثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراقه لن يختفي. المكسب المناخي الحقيقي يأتي من أمرين: أن الشعلات لا تحرق الغاز احتراقاً كاملاً فيتسرب منها جزء من الميثان، وهو أشد أثراً بكثير من ثاني أكسيد الكربون، وأن هذا الغاز سيحل محل وقود سائل أغلى وأكثر تلويثاً كانت المحطات تحرقه.

أما المكسب الاقتصادي فأوضح. فليبيا تحرق غازاً في البحر بينما تحتاج محطاتها إلى الوقود، وكل متر مكعب يصل إلى البر هو وقود لم يُستورد ولم يُحوَّل من التصدير. ولهذا أرى أن مشروعات استعادة الغاز المصاحب يجب أن تُعامل كمشروعات كهرباء بقدر ما هي مشروعات بيئة، وأن تُقاس بالميجاوات ساعة التي تضيفها لا بالأطنان التي تخفضها فقط.

ولدي تحفظ واحد: الموعد. فقد ذكرت تقارير في مايو 2026 أن الإنتاج مقرر في سبتمبر، والآن نتحدث عن نهاية أكتوبر. تأخير شهر في مشروع بحري بهذا الحجم مقبول، لكن العبرة بالتشغيل المستقر، لأن تشغيل الضواغط على غاز مصاحب متغير التركيب والكمية هو أصعب مراحل هذه المشروعات عادة.

دروس عملية للمهندس

  1. صمم للمعالجة قبل الحرق. أي حقل جديد في المنطقة يجب أن يتضمن خطة لاستغلال الغاز المصاحب من اليوم الأول، فإضافة الوحدات لاحقاً على منصة قائمة أغلى بكثير.
  2. الوزن والمساحة هما القيد. في التعديلات البحرية، تحليل قدرة المنصة الإنشائية على حمل وحدة جديدة يسبق أي تصميم عملي.
  3. التصنيع على البر يقلل المخاطر. نقل أكبر قدر من العمل إلى ساحة التصنيع يقلل ساعات العمل الخطر فوق منصة منتجة.
  4. السعة الاسمية ليست الإنتاج. صمم الضواغط لنطاق تشغيل واسع، لأن الغاز المصاحب يتراجع مع عمر الحقل.
  5. احسب الفائدة بالطاقة لا بالانبعاثات فقط. تحويل الغاز إلى ميجاوات يوضح لصانع القرار قيمة المشروع بلغة يفهمها.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية