عُقد على قاع البحر بدل الكابلات المسحوبة: مصر تبدأ مسحاً سيزمياً على 18 ألف كيلومتر مربع شرق المتوسط، فماذا تكشف هذه التقنية تحت الملح؟
ما الذي حدث؟
أعلن وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي يوم 18 أكتوبر 2026 أن قطاع البترول يستعد لبدء المرحلة الأولى من مسح سيزمي بحري متطور في المياه المصرية بشرق المتوسط خلال الأسبوعين التاليين. وتنفذ المشروع الشركة القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) بالتعاون مع تحالف شركتي SLB الأمريكية وViridien الفرنسية، بحسب ما نشرته Power News وPetro News في اليوم نفسه.
ووصلت سفينة المسح “كوماندر” (Commander) إلى ميناء بورسعيد، وهي الأولى من ثلاث سفن مخصصة للمشروع. ويبدأ العمل في منطقة “دنيس” أمام بورسعيد ومنطقة رأس البر، ويستمر فيهما حتى نهاية 2026، فيما يستكمل التحالف الترتيبات الفنية واللوجستية لمواصلة المسح في 2027.
وليس المشروع جديداً في فكرته. فقد أعلن الوزير عنه في مؤتمر غازتك بميلانو في سبتمبر 2025، ثم أعلنت Viridien وSLB اتفاقهما مع إيجاس في يناير 2026، وكان مقرراً حينها أن يبدأ جمع البيانات في الربع الأول من 2026. الجديد إذن هو الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ الفعلي، بتأخير يقارب ثلاثة أرباع العام عن الموعد المعلن سابقاً.
المشروع بالأرقام
- المرحلة الأولى: نحو 18 ألف كيلومتر مربع، بتكلفة 117 مليون دولار بحسب ما أعلنته الوزارة في سبتمبر 2025.
- البرنامج كله: نحو 95 ألف كيلومتر مربع من المياه المصرية شرق المتوسط، على ثلاث مراحل خلال سبع سنوات.
- السفن: ثلاث سفن، وصلت أولاها إلى بورسعيد.
- مناطق البداية: دنيس أمام بورسعيد، ورأس البر.
- نموذج العمل: متعدد العملاء (multi-client)، أي أن البيانات تُباع أو تُرخص لشركات البترول الراغبة في الاستكشاف، بدلاً من أن تمولها شركة واحدة لحسابها.
ولتقدير الحجم: 18 ألف كيلومتر مربع تقارب مساحة دولة مثل الكويت، والبرنامج الكامل يزيد على خمسة أضعاف ذلك.
الفكرة الهندسية: لماذا عُقد على القاع؟
في المسح السيزمي البحري التقليدي تسحب السفينة خلف ظهرها كابلات طويلة عائمة تحمل آلاف المستقبلات الصوتية (hydrophones)، ومصدراً صوتياً يطلق نبضات تنعكس عن طبقات الصخور ثم تعود إلى المستقبلات. الطريقة سريعة ورخيصة نسبياً، لكن لها حدوداً.
أما في تقنية عُقد قاع البحر (Ocean Bottom Nodes)، فتُنزل أجهزة تسجيل مستقلة على قاع البحر نفسه، لكل منها بطارية وذاكرة ومستشعرات، ثم تمر سفينة مصدر الصوت فوقها مرات كثيرة وفي اتجاهات مختلفة. وبعد انتهاء التسجيل تُسترجع العُقد وتُفرّغ بياناتها. وتمنح هذه الطريقة ثلاث مزايا رئيسية:
- تغطية كل الاتجاهات (full azimuth). المستقبل ثابت والمصدر يدور حوله، فتصل إليه موجات من كل الزوايا، وهذا ضروري لتصوير الطبقات تحت أجسام جيولوجية تشوه مسار الموجات.
- ترددات منخفضة وإزاحات طويلة. المسافة الكبيرة بين المصدر والمستقبل تسمح بتسجيل موجات تنفذ إلى أعماق أكبر، وتغذي خوارزميات تحسين نموذج السرعات مثل انعكاس الموجة الكاملة (FWI).
- تسجيل الموجات القصية. المستشعر الملامس للقاع يسجل حركة الأرض لا ضغط الماء فقط، فيعطي معلومات إضافية عن نوع الصخر والسوائل.
وثمن ذلك أن العمل أبطأ وأغلى، وأن لوجستيات إنزال آلاف العُقد واسترجاعها في مياه عميقة تحتاج سفناً متخصصة ومركبات تحت الماء.
لماذا تحتاجها جيولوجيا شرق المتوسط تحديداً؟
قال رئيس إيجاس محمود عبد الحميد عند توقيع الاتفاق إن شرق المتوسط المصري من أصعب البيئات في التصوير السيزمي، بسبب التصدعات المعقدة وطبقة المتبخرات الميسينية التي تحجب الخزانات العميقة. وطبقة الملح هذه، التي ترسبت حين جف البحر المتوسط جزئياً قبل نحو ستة ملايين سنة، تنقل الموجات الصوتية بسرعة أعلى كثيراً من الصخور حولها، فتنحني الموجات عند حدودها وتتشتت، وتظهر الصورة تحتها مشوشة أو مضللة في المسح التقليدي.
ومعظم الاكتشافات الكبرى في المنطقة، وأشهرها حقل ظهر، كانت خزانات تحت هذا الغطاء أو بقربه. لذلك فإن صورة أوضح لما تحت الملح تعني تحديد مواقع الآبار بدقة أكبر، وتقليل احتمال حفر بئر جافة قد تكلف في المياه العميقة عشرات الملايين من الدولارات.
رأي: الرهان صحيح، لكن المقياس ليس عدد الكيلومترات
أرى أن مصر اختارت الأداة الصحيحة للمشكلة الصحيحة. فالبلد يحتاج إنتاجاً جديداً من الغاز بعد تراجع حقوله الكبرى، وشركات الاستكشاف لن تخاطر بآبار المياه العميقة الباهظة دون بيانات تقلل المخاطرة. ونموذج تعدد العملاء ذكي مالياً، لأنه ينقل جزءاً كبيراً من تكلفة المسح إلى شركتي الخدمات اللتين تستعيدانها ببيع البيانات.
لكن لدي ثلاثة تحفظات. أولها أن التأخير من الربع الأول إلى الربع الأخير من 2026 يستحق تفسيراً معلناً، لأن الجدول الزمني جزء من مصداقية برنامج يمتد سبع سنوات. وثانيها أن قيمة المسح الحقيقية لا تظهر عند انتهاء جمع البيانات، بل بعد المعالجة والتصوير التي قد تستغرق شهوراً طويلة. ولذلك فإن المقياس العادل للنجاح هو عدد الآبار التي ستُحفر بناء على هذه البيانات ونسبة نجاحها، لا عدد الكيلومترات المربعة. وثالثها أن نموذج تعدد العملاء يجعل البيانات ملكاً تجارياً لشركتي الخدمات بدرجة ما، ومن المهم أن يضمن العقد لإيجاس نسخة كاملة واستخداماً حراً لأغراض التخطيط الوطني.
دروس عملية للمهندس
- التقنية تختارها الجيولوجيا. المسح بالعُقد ليس “أحدث” فقط، بل هو الحل لمشكلة محددة: التصوير تحت طبقات تشوه الموجات.
- المعالجة نصف المشروع. مهندس الجيوفيزياء الذي يتقن بناء نماذج السرعات وخوارزميات FWI مطلوب بقدر من يجمع البيانات في البحر.
- راقب اللوجستيات. إنزال العُقد واسترجاعها وإدارة البطاريات والتزامن الزمني هي ما يحدد الكلفة والجدول.
- البيانات أصل وطني. في أي عقد متعدد العملاء، حدد بوضوح حقوق الجهة الحكومية في البيانات الخام والمعالجة.
- فرصة للمهندسين المصريين. برنامج بهذا الحجم يحتاج فرقاً محلية في الموانئ والسفن ومراكز المعالجة، ومن المفيد أن يشترط نقل المعرفة إلى إيجاس.
المصادر
- Power News، “مصر تستعد لتنفيذ مسح سيزمي بحري بشرق المتوسط على مساحة 18 ألف كم²” (18 أكتوبر 2026)
- Petro News، “مصر تستعد لتنفيذ مسح سيزمي بحري متطور بشرق المتوسط على مساحة 18 ألف كم² لتعزيز فرص اكتشاف الغاز” (18 أكتوبر 2026)
- Ocean News & Technology، “Viridien and SLB Announce Agreement with EGAS for Large Multi-Client OBN Program Over Eastern Mediterranean Offshore” (2 فبراير 2026)
- Marine Technology News، “Viridien, SLB Set to Launch ‘Massive’ OBN Survey Offshore Egypt” (22 يناير 2026)
- Amwal Al Ghad، “Egypt to launch seismic survey project in Eastern Mediterranean” (9 سبتمبر 2025)

