من 27% إلى 9%: تقرير Anthropic عن توظيفها الداخلي يكشف كيف تضيق بوابة المهندس المبتدئ، وماذا يتعلم من يقف أمامها
ما الذي حدث؟
نشر معهد Anthropic، الذراع البحثية للشركة المطورة لنماذج Claude، تقريراً تقنياً بعنوان “كيف يتغير التوظيف في Anthropic”، أعده أربعة باحثين هم ناثان ويلمرز وريجينا كاتيبون وماكسيم ماسنكوف وبيتر ماكروري. ظهر التقرير على موقع الشركة في 16 أكتوبر 2026 وعُدّل في 17 أكتوبر، ثم انتشر في 19 أكتوبر عبر Business Today وPeople Matters وThe Economic Times وغيرها، وكان العنوان المشترك في معظمها رقماً واحداً: تراجع حصة المبتدئين من التعيينات التقنية من 27% إلى 9%.
الفكرة التي يقدمها التقرير أن الشركة التي تبني أدوات الذكاء الاصطناعي هي أول من يستخدمها بكثافة، لذلك قد تكون مؤشراً مبكراً لما سيصل إلى بقية الاقتصاد. واعتمد الباحثون على بيانات داخلية عن التوظيف والإنتاج واستخدام الأدوات والاستبيانات وسجلات التقويم والمراسلات، إضافة إلى مقابلات مع 17 موظفاً.
الأرقام
التوظيف وتركيبة الفرق: – حصة المبتدئين من التعيينات التقنية انخفضت من 27% إلى 9%، وتراجعت إعلانات الوظائف المبتدئة بشدة بعد ديسمبر 2025. – حصة المبتدئين من العاملين في الأقسام التقنية نزلت من 21% في مطلع 2025 إلى 14%. – حصة الوظائف التقنية من إجمالي العاملين نزلت من 61% إلى 56% خلال عام، لأن التوظيف في المبيعات والمالية والتوظيف نفسه كان أسرع. – في استبيان للمديرين في أبريل 2026، قال نحو ثلث مديري فرق تعلم الآلة وخُمس مديري فرق هندسة البرمجيات إنهم يوظفون أقل بسبب الذكاء الاصطناعي، وقالت الأغلبية إنهم صاروا يبحثون عن مهارات مختلفة.
العمل نفسه: – في مارس 2026 تجاوز مجموع ساعات عمل الوكلاء ساعات عمل البشر لأول مرة، وفي أغسطس صارت ساعات الوكلاء التي يشغّلها الموظفون ستة أضعاف ساعات أصحابها (على افتراض 40 ساعة أسبوعياً للإنسان). – عدد “الإيداعات” البرمجية لكل مهندس بلغ نحو خمسة أضعاف مستواه قبل ستة أشهر. – نحو 80% من وقت الجلسات التفاعلية مع Claude يمر في انتظار قرار أو توجيه أو موافقة من الإنسان. – ما يسميه التقرير “العمل الفوقي”، أي بناء أدوات الوكلاء ومراقبتها وتنظيمها، ارتفع من 10% من الجلسات في خريف 2025 إلى 22% في ربيع 2026.
شرح مبسط: لماذا يتأثر المبتدئ أولاً؟
في أي فريق هندسي تقليدي، تذهب المهام الصغيرة المحددة جيداً إلى المهندس المبتدئ: كتابة اختبار، إصلاح خلل معروف، تعديل واجهة، نقل شيفرة قديمة. هذه المهام كانت وظيفة ومدرسة في الوقت نفسه، فالمبتدئ يتعلم النظام وهو ينجزها.
ما يصفه التقرير أن هذه الطبقة من المهام صارت تذهب إلى الوكلاء. المهندس الأقدم يكتب التوجيه، ويطلق عدة وكلاء، ثم يراجع ما ينتجونه. لذلك لم يعد الفريق بحاجة إلى العدد نفسه من المبتدئين لإنجاز الحجم نفسه من العمل. ورقم “80% انتظار” مهم هنا: عنق الزجاجة لم يعد كتابة الشيفرة، بل الحكم البشري الذي يقرر ويراجع ويوافق.
وتغيرت معايير المقابلات أيضاً. فبمقارنة بطاقات تقييم المرشحين بين 2024 و2026، تضاعفت الإشارة إلى استخدام المرشح لأدوات الذكاء الاصطناعي نحو ثلاث مرات في الوظائف التقنية، وزاد التركيز على الاستقلالية وحسن التقدير، وتراجع الحديث عن التخصص الدقيق في مجال واحد. ونقل التقرير عن أحد المديرين قوله إنه يريد أفراد فريقه “قابلين للتنقل بين المجالات”، لأن قدرات النماذج متفاوتة من مهمة إلى أخرى.
رأي: الرقم صادم، لكن قراءته الصحيحة أهم من صدمته
أبدأ بالتحفظ. هذه بيانات شركة واحدة عن نفسها، وهي شركة تبيع الأدوات التي تصفها، وتنمو بسرعة استثنائية. والباحثون أنفسهم كتبوا أن أنماط توظيف المبتدئين “وصفية ولا تثبت السببية”، وأن زيادة الشيفرة لا تعني بالضرورة شيفرة أفضل، وأن كثيراً من ممارسات الشركة لا يمكن تكراره في الاقتصاد كله. وأضيف أن عدد التعيينات التقنية المطلق ما زال يرتفع، فالمسألة تغير في التركيبة لا توقف في التوظيف.
ومع ذلك أرى أن قيمة التقرير كبيرة، لسببين. الأول أنه نادر: قليل من الشركات تنشر أرقامها الداخلية عن أثر الذكاء الاصطناعي في من توظف. والثاني أنه يصف آلية واضحة لا مجرد رقم. فالمبتدئ لا يُستبدل لأن الآلة أذكى منه، بل لأن المهام التي كانت تبرر وجوده صارت تُنجز بطريقة أخرى، ولأن قيمة المهندس انتقلت من التنفيذ إلى الإشراف على التنفيذ.
وهنا الخطر الحقيقي في رأيي: إذا توقفت الشركات عن تعيين المبتدئين، فمن أين يأتي المهندس الأقدم بعد خمس سنوات؟ التقرير نفسه يعترف بأن الإجراءات الداخلية لا تكفي لعلاج تباطؤ توظيف المبتدئين، ويدعو إلى سياسات حكومية لإعادة التدريب ودعم الدخل. وأتوقع أن تصل المشكلة إلى منطقتنا عبر مراكز التعهيد والشركات الناشئة في القاهرة وعمّان والرياض ودبي، لأنها تستخدم الأدوات نفسها.
دروس عملية للمهندس
- تدرّب على المراجعة لا على الكتابة فقط. المهارة المطلوبة اليوم أن تقرأ شيفرة لم تكتبها، وتختبرها، وتكتشف أين تخطئ. اجعل جزءاً من مشروعاتك مراجعة ما تنتجه الأدوات وتوثيق أخطائها.
- ابنِ مشروعاً كاملاً لا تمارين متفرقة. إذا كانت المهام الصغيرة تذهب إلى الوكلاء، فالمطلوب منك أن تثبت قدرتك على تصميم نظام كامل وتحديد متطلباته وربط أجزائه.
- أظهر طريقتك في استخدام الأدوات. بطاقات التقييم صارت تسأل عن ذلك صراحة. كن مستعداً لشرح كيف وظفت أداة ذكاء اصطناعي في مشروع، وأين رفضت مخرجاتها ولماذا.
- لا تحصر نفسك في تخصص ضيق مبكراً. القدرة على الانتقال بين مجالات العمل صارت ميزة، والتقرير يذكر أن الموظفين القدامى صاروا أكثر انتقالاً بين الأقسام بنحو 50% في 2026.
- اقرأ الأرقام بعين ناقدة. تقرير واحد من شركة واحدة ليس حكماً نهائياً على مهنتك. تابع بيانات سوقك المحلي، وإعلانات الشركات التي تريد العمل فيها، قبل أن تغير خطتك.
المصادر
- Anthropic، “How employment is changing at Anthropic” (16 أكتوبر 2026، معدّل في 17 أكتوبر)
- Business Today، “Is AI squeezing entry-level tech jobs? Anthropic’s junior technical hiring drops from 27% to 9%” (19 أكتوبر 2026)
- People Matters، “Anthropic’s junior tech hires drop from 27% to 9% as AI use rises” (19 أكتوبر 2026)

