حكم جنوة في كارثة العبارة “السلام 98”: المصنِّف يُحاسَب لأن تعليمات الصابورة بقيت بالإيطالية، فبأي لغة نكتب تعليمات منشآتنا؟
ماذا حدث؟
في 15 أكتوبر 2026 نشرت “الأهرام أونلاين” تفاصيل حكم ابتدائي أصدره القاضي دانييلي بيانكي في محكمة جنوة المدنية، ونُشر في 17 سبتمبر 2026 قبل أن تتناوله وسائل الإعلام الإيطالية في 13 و14 أكتوبر. الحكم يُلزم شركة RINA SpA، الذراع التجارية لهيئة التصنيف الإيطالية، بتعويض أقارب نحو 700 ضحية وناجٍ.
العبارة “السلام بوكاتشيو 98” كانت عبارة إيطالية سابقة بيعت لمالك مصري، وغرقت في 3 فبراير 2006 أثناء رحلتها من السعودية إلى سفاجا. اشتعل حريق على سطح السيارات، وأدت عمليات الإطفاء ومناورات الصابورة إلى انقلاب السفينة وغرقها، وقُتل أكثر من ألف شخص، وتذكر صحيفة “كوتيديانو” رقم 1,071.
الأرقام
- 40.1 مليون يورو أصل التعويض، ترتفع إلى نحو 60 مليون مع الفوائد وإعادة التقييم، إضافة إلى 3.5 مليون يورو أتعاب قانونية ونحو 400 ألف يورو مصروفات.
- 300 مليون يورو كانت قيمة المطالبة الأولى للأسر بحسب تقارير لاحقة.
- 20 عاماً تقريباً بين الغرق والحكم، مرت بمعركة اختصاص قضائي حسمتها محكمة العدل الأوروبية في مايو 2020 ثم محكمة النقض الإيطالية في ديسمبر 2020، حين رُفض دفع RINA بالحصانة لأنها كانت تعمل لحساب دولة العلم بنما.
- 22 نتيجة إهمال أخرى أوردتها وكالة ANSA، منها التحقق من تدريب الطاقم وتمارين السلامة.
شرح مبسط: ما دور هيئة التصنيف؟
السفينة التجارية لا تُبحر بلا “تصنيف”. هيئة التصنيف جهة فنية مستقلة تراجع تصميم السفينة وتفحص بناءها وصيانتها دورياً، وتصدر شهادات بأنها مطابقة لقواعدها ولاتفاقيات السلامة البحرية، وكثيراً ما تعمل نيابة عن دولة العلم. هي في السفينة ما يقابله في المباني الاستشاري المراجع أو جهة الفحص الثالثة: لا تبني ولا تشغّل، لكن توقيعها شرط للتشغيل.
أما ما رآه الخبراء في هذه الحالة، بحسب ما نقلته Shipping Italy، فهو أن منظومة الصابورة كانت تصرف الماء الزائد على سطح السيارات بدلاً من إلقائه خارج السفينة، فحين أمر القبطان بمناورات صابورة لمعادلة الميل، زادت المياه على السطح بدلاً من أن تقل. والطاقم المصري لم يكن على علم كافٍ بهذا الترتيب، لأن التعليمات ذات الصلة بقيت بالإيطالية بلا ترجمة.
ولفهم خطورة ذلك يكفي أن نتذكر مبدأً يدرسه كل طالب هندسة بحرية: الماء الحر على سطح واسع مثل سطح السيارات لا يبقى في مكانه، بل يندفع إلى الجانب المائل فيزيد الميل، ويرفع أثره على ثبات السفينة كأن مركز ثقلها ارتفع. لذلك فإن أي منظومة تضيف ماءً إلى هذا السطح أثناء الطوارئ تعمل ضد الهدف الذي يسعى إليه الطاقم تماماً.
ويجدر التذكير بأن الحكم ابتدائي وقابل للاستئناف، وأن RINA أعلنت “خلافها العميق” معه، وقالت إن التحقيقات السابقة حمّلت المالك والقبطان المسؤولية دون أن تجد الشركة مسؤولة.
رأي: الوثيقة التي لا تُقرأ لا وجود لها
ما يلفتني في هذا الحكم ليس المبلغ، بل الأساس الذي بُني عليه. المحكمة لم تقل إن RINA أشعلت الحريق أو صممت منظومة الصابورة. قالت، في جوهر ما نُقل عنها، إن الجهة التي تشهد بسلامة سفينة مسؤولة أيضاً عن أن يعرف من يشغّلها كيف تعمل أنظمتها الحرجة. وهذا توسيع مهم لمعنى “التوقيع الهندسي”.
في منطقتنا نعيش هذه المشكلة كل يوم دون أن نسميها. محطات تحلية ومحطات كهرباء ومصانع تُسلَّم بأدلة تشغيل وصيانة بالإنجليزية أو الصينية أو الكورية، ويشغّلها فنيون عرب يقرؤون العربية أولاً. ولوحات تحكم مكتوبة بلغة المصنّع. وأنظمة إطفاء في أبراج سكنية لا يعرف حارسها أين صمام الإغلاق ولا ماذا يعني الضوء الأحمر على اللوحة. وفي كل حالة يوجد استشاري أو جهة فحص وقّعت على أن المنشأة “مطابقة”، وكأن المطابقة تخص المعدن والخرسانة وحدهما، لا الإنسان الذي سيقف أمامها في لحظة الطوارئ.
وأظن أن الحكم يطرح سؤالاً آخر على المهندس العربي الذي يعمل في جهات الفحص والإشراف: هل تعتبر الترجمة والتدريب ونقل المعرفة إلى المشغّل جزءاً من مسؤوليتك، أم عملاً إدارياً يخص المقاول؟ القانون في بلادنا قد لا يحاسبك اليوم على ذلك، لكن جنوة أثبتت أن المحاسبة قد تأتي بعد عشرين عاماً ومن محكمة في بلد آخر.
وفي القصة درس ثالث يخص التعديلات. العبارة كانت سفينة إيطالية قديمة غيّرت علمها ومالكها، وجادل محامو الأسر طويلاً في ثباتها بعد التعديلات وفي تصريف سطح السيارات. المنشأة التي تتغير ملكيتها واستخدامها تحتاج من يعيد قراءة افتراضات تصميمها الأولى، لا من يجدد شهادتها فقط.
دروس عملية للمهندس
- اكتب بلغة المشغّل. أي تعليمات لنظام حرج يجب أن تكون باللغة التي يقرؤها من سيشغّله فعلاً، مع رسوم واضحة.
- اعتبر التسليم جزءاً من السلامة. التدريب ونقل المعرفة ليسا ملحقاً إدارياً بل شرطاً للتشغيل الآمن.
- راجع الافتراضات عند التعديل. تغيير الاستخدام أو الإضافات يحتاج إعادة تحقق من التصميم، لا تجديد شهادة.
- وثّق ما تشهد عليه بدقة. حدود مسؤولية جهة الفحص يجب أن تكون مكتوبة، لأنها ستُقرأ يوماً في محكمة.
المصادر
- Ahram Online، “Italian court orders RINA to pay €60 mln over Egypt’s Al-Salam 98 ferry disaster” (15 أكتوبر 2026)
- Ahram Online، “Behind the Al-Salam 98 ferry disaster ruling: Lawyers’ long journey to an Italian courtroom” (15 أكتوبر 2026)
- Quotidiano.net، “Naufragio, la sentenza anti sharia” (14 أكتوبر 2026)
- Shipping Italy، “Caso Al Salam Boccaccio 98: il Rina potrà essere giudicato in Italia” (7 مايو 2020)

