الهند دربت 85 ألف مهندس رقائق وتريد 100 ألف آخرين: لماذا يقول خبراؤها إن المصنع يحتاج من شغّل مصنعاً من قبل؟
ما الذي حدث؟
في 7 أكتوبر 2026 نشرت صحيفة Business Standard تقريراً عن فجوة الكفاءات في صناعة الرقائق الهندية، مع دخول أول المصانع مرحلة الإنتاج التجاري. ويقول التقرير إن المرحلة الأولى من “بعثة الهند لأشباه الموصلات” (ISM) استهدفت تدريب 85 ألف مهندس خلال عشر سنوات بدءاً من 2022، وإن هذا الهدف تحقق بحلول 2026، أي قبل موعده بسنوات. أما المرحلة الثانية، المعروفة باسم Semicon 2.0، فتستهدف 100 ألف مهندس إضافي.
لكن الرسالة الأبرز في التقرير جاءت من الصناعة نفسها. قال أشوك تشانداك، رئيس رابطة الإلكترونيات وأشباه الموصلات الهندية (IESA)، إن “الأولوية يجب أن تكون بناء خط إمداد بالكفاءات الجاهزة للصناعة، لا مجرد زيادة عدد الخريجين”، وأضاف أن “تصنيع أشباه الموصلات لا يمكن تعلمه بالكامل في الفصول الدراسية”. ودعا راهول غارغ، الرئيس التنفيذي لشركة Moglix ورئيس فريق العمل الخاص بالتصنيع المتقدم في اتحاد الصناعات الهندية، إلى توسيع معاهد الدبلوم المتخصصة لتدريب عمال أرض المصنع، مؤكداً أن الإنتاجية ونسبة التشغيل تعتمدان على أشخاص شغّلوا مصانع رقائق من قبل.
الأرقام
- 85,000 مهندس هدف المرحلة الأولى، وقد تحقق بحسب Business Standard.
- 100,000 مهندس تصميم هدف المرحلة الثانية، بحسب ما نقلته مجلة Indian Infrastructure عن وزير تقنية المعلومات في أغسطس.
- 1.275 لاك كرور روبية مخصصات Semicon 2.0 التي أقرها مجلس الوزراء، بحسب Devdiscourse.
- 12 وحدة لأشباه الموصلات أقرت في المرحلة الأولى، و3 بدأت الإنتاج التجاري: ميكرون (28 فبراير 2026)، وكاينز (31 مارس)، وCG Power (4 يوليو).
- 68,000 متدرب تقريباً عبر برنامج Chips to Startup، مع وصول أدوات التصميم الإلكتروني إلى أكثر من 320 جامعة وشركة ناشئة.
- 60,000 محترف تتعهد Lam Research بتدريبهم خلال عقد في التصنيع النانوي وهندسة العمليات.
- مليون عامل مدرب على الأقل هو حجم النقص العالمي المتوقع في الصناعة خلال العقد القادم.
شرح مبسط: لماذا لا يكفي مهندس التصميم؟
صناعة الرقائق سلسلة من ثلاث حلقات كبرى. الأولى التصميم، وهي عمل مكتبي يجري على برامج متخصصة، ويمكن تعليمه في الجامعة إلى حد بعيد. الثانية التصنيع داخل “الفاب”، وهو مصنع فائق النظافة تمر فيه رقاقة السيليكون بمئات الخطوات من الترسيب والحفر والطباعة الضوئية. والثالثة التجميع والاختبار والتغليف (ATMP/OSAT).
الحلقة الأولى هي التي حققت فيها الهند أرقامها الكبيرة. أما الثانية والثالثة فتحتاجان إلى مهندس عمليات يعرف لماذا انخفضت نسبة الرقائق السليمة (الـ yield) في دفعة معينة، وفني صيانة يعيد آلة متوقفة إلى العمل خلال ساعات لا أيام. هذه معرفة تتكون بالممارسة داخل خط إنتاج، ولهذا يطالب الخبراء بخطوط تجريبية في مناطق عدة، وبحوافز لجذب المهندسين الهنود ذوي الخبرة من الخارج.
رأي: الدرس الهندي يسبقنا بخطوة
في رأيي، قيمة هذا التقرير أنه يأتي من بلد نجح في الجزء السهل وبدأ يكتشف الجزء الصعب. تدريب عشرات الآلاف على أدوات التصميم إنجاز حقيقي، لكنه لا يجعل المصنع ينتج. وحين تقول الصناعة نفسها إن الأولوية للجاهزية لا للعدد، فهي تعترف بأن المقياس الذي احتفل به الجميع لم يكن المقياس الصحيح.
وهذا يهم المهندس العربي مباشرة. فالسعودية والإمارات ومصر والمغرب تتحدث عن صناعات للإلكترونيات وأشباه الموصلات والبطاريات، وكثير من برامج التدريب المعلنة عندنا تركز على التصميم والبرمجيات لأنها الأسهل والأرخص. والتجربة الهندية تقول إن من سيحصل على الوظائف الأصعب والأعلى أجراً في هذه الصناعة هو من يعرف أرض المصنع: الكيميائي الذي يفهم الغازات والمواد الكيميائية فائقة النقاء، ومهندس الميكانيكا الذي يفهم أنظمة التفريغ، ومهندس الكهرباء الذي يفهم إمدادات القدرة الحساسة.
والنقطة الثانية في التقرير، أي استعادة المهندسين المغتربين ذوي الخبرة، درس آخر لنا. لدينا آلاف المهندسين العرب يعملون في مصانع الرقائق والإلكترونيات في آسيا وأوروبا وأمريكا. أي خطة عربية جادة في هذه الصناعة ستحتاجهم قبل أن تحتاج خريجاً جديداً.
وأتحفظ على أمر واحد: أرقام “تحقيق الهدف” في برامج التدريب الحكومية تحتاج دائماً إلى سؤال المتابعة: كم من هؤلاء يعمل فعلاً في الصناعة؟ التقرير لا يجيب، وهذا وحده سبب للحذر.
دروس عملية للمهندس
- لا تكتفِ بشهادة تصميم. إذا كنت مهتماً بالرقائق، فأضف إلى مهارات التصميم فهماً للعمليات: ماذا يحدث للرقاقة داخل المصنع، وما الذي يرفع نسبة الإنتاج السليم أو يخفضها.
- تخصصك التقليدي قد يكون بابك. مهندس الكيمياء والمواد والميكانيكا والتبريد والتكييف كلهم مطلوبون في مصانع الرقائق. ابحث عن الوظائف في مرافق المصنع لا في التصميم فقط.
- اطلب الخبرة العملية مهما كانت قصيرة. تدريب صيفي في مصنع إلكترونيات أو خط تجميع لوحات أفضل لسيرتك في هذا المجال من شهادة إضافية على الإنترنت.
- إذا كنت مغترباً في هذه الصناعة فخبرتك عملة نادرة. وثّق ما تعمله بالأرقام، فالدول التي تبني صناعتها ستبحث عن أمثالك بحوافز.
- اسأل عن “التوظيف بعد التدريب”. قبل أن تلتحق ببرنامج تدريبي مجاني أو مدعوم، اسأل عن نسبة من حصلوا على وظيفة فعلية في الصناعة خلال ستة أشهر.
المصادر
- Business Standard، “India needs fresh graduates, returning experts to bridge semicon talent gap” (7 أكتوبر 2026)
- Indian Infrastructure، “Semicon 2.0 to target 7nm-3nm chip technologies and train 100,000 design engineers, says IT minister” (27 أغسطس 2026)
- Devdiscourse، “India Expands Semiconductor Talent Drive Under Semicon 2.0” (30 يوليو 2026)

