أوروباالطاقةمصر

غاز “كرونوس” القبرصي يعبر إلى مصر: حقل بلا منصة إنتاج يعيد تشغيل محطة إسالة دمياط، فلماذا صارت البنية التحتية أثمن من الاحتياطي؟

ما الذي حدث؟

على هامش مائدة مستديرة نظمها منتدى غاز شرق المتوسط مع شركة Helleniq Energy في أثينا، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة والتجارة والصناعة القبرصي مايكل داميانوس. ونشرت “باور نيوز” في 7 أكتوبر 2026 أن الجانبين اتفقا على الإسراع في ربط غاز حقل كرونوس بالبنية التحتية المصرية والاستفادة من التسهيلات القائمة، مع استهداف بدء الإنتاج في 2028.

وبحث الوزيران أيضاً حقل أفروديت، الذي وُقّع اتفاقه بالأحرف الأولى في القاهرة في مارس 2026 ولم يصل بعد إلى قرار الاستثمار النهائي، واكتشافات إكسون موبيل وقطر للطاقة في المياه القبرصية التي وقّعت مصر بشأنها مذكرة تفاهم في مايو 2026 لدراسة نقلها وإسالتها عبر مصر.

الأرقام

  • قرار الاستثمار النهائي: 28 يوليو 2026، بحسب بيان إيني.
  • الشركاء: إيني مشغلاً بحصة 50%، وتوتال إنرجيز 50%، في المنطقة 6 بالمياه القبرصية العميقة.
  • الموارد: أكثر من 3 تريليونات قدم مكعبة من الغاز في المكمن، أي نحو 85 مليار متر مكعب بحسب Enerdata.
  • الموقع: نحو 185 كيلومتراً جنوب غرب الساحل القبرصي.
  • التطوير: أربع آبار تحت سطح البحر، وخط أنابيب بحري إلى مصر.
  • ذروة الإنتاج: نحو 500 مليون قدم مكعبة يومياً، تعادل قرابة 2.8 مليون طن من الغاز المسال سنوياً.
  • المعالجة والإسالة: في منشآت حقل ظهر، ثم محطة دمياط للإسالة التي “سيعيد كرونوس تشغيلها” بحسب إيني.
  • التسويق: كل شريك يسوق 50% من الإنتاج.

شرح مبسط: حقل يستعير منشآت جاره

في التطوير التقليدي لحقل غاز بحري تحتاج إلى ثلاث حلقات: آبار، ومنصة أو منشأة معالجة تفصل الماء والمكثفات وتجفف الغاز، ثم وسيلة تصدير، إما خط أنابيب إلى سوق أو محطة إسالة. وكل حلقة تكلف مليارات وسنوات.

فكرة كرونوس هي ما يسميه مهندسو البترول “الربط بمنشأة قائمة” (Tie-back): تُحفر الآبار ويُركب نظام إنتاج تحت سطح البحر، ثم يُنقل الغاز بخط أنابيب إلى منشأة موجودة تعمل بالفعل. هنا المنشأة هي منظومة حقل ظهر المصري، ثم محطة دمياط للإسالة. أي أن قبرص لا تبني منصة معالجة ولا محطة إسالة، بل تستأجر طاقة غير مستغلة في مصر.

ولماذا توجد طاقة غير مستغلة؟ لأن المنشآت تُصمم على ذروة إنتاج الحقل الأصلي، ثم ينخفض الإنتاج مع الزمن فتبقى سعة فارغة في الأنابيب والمعالجة. واستخدام هذه السعة لغاز جديد يرفع العائد على أصل مدفوع الثمن، ويختصر زمن الوصول إلى السوق، وهو ما أكده الوزير المصري في أثينا حين قال إن هذا النموذج يخفض الاستثمارات المطلوبة ويحسن اقتصاديات المشروع.

ولتقدير الحجم: 500 مليون قدم مكعبة يومياً تساوي نحو 14 مليون متر مكعب يومياً، أي قرابة 5 مليارات متر مكعب سنوياً. وبقسمة 85 مليار متر مكعب على هذا المعدل نحصل على نحو 16 عاماً من الإنتاج المكافئ للذروة، وهو حساب تقريبي منا لأن الإنتاج الفعلي يرتفع ثم ينخفض ولا يبقى ثابتاً.

رأي: مصر تبيع خدمة هندسية، فلتسعّرها كذلك

نرى أن أهم ما في كرونوس ليس حجم الحقل، بل أنه أول تطبيق تجاري ملزم لفكرة طالما رُددت: أن البنية التحتية المصرية للغاز منصة إقليمية. فقد قال الوزير بدوي في أثينا إن منظومة الغاز المصرية، من منشآت الإنتاج والمعالجة إلى الشبكة القومية ومحطتي الإسالة في إدكو ودمياط، “منصة جاهزة” لتطوير غاز شرق المتوسط وتصديره، لا لتلبية احتياجات مصر فقط. ويكتمل المنطق على الطرف الآخر من المتوسط: فبحسب “باور نيوز” أعادت قمة مصرية قبرصية يونانية في العلمين في سبتمبر 2026 التأكيد على آلية التعاون الثلاثي، وطُرحت قدرات إعادة التغويز في اليونان مكملاً لقدرات الإسالة والتصدير المصرية نحو الأسواق الأوروبية.

لكن لدينا ملاحظتان. الأولى أن قيمة هذه المنصة في كفاءة تشغيلها لا في وجودها. خلط غاز من حقلين مختلفين في منشأة واحدة يطرح أسئلة هندسية عن مواصفات الغاز وضغط الوصول وجدولة الصيانة، ومن له الأولوية إن ضاقت السعة. هذه بنود تُكتب في عقود الاستخدام ويجب أن يتقنها المهندس المصري بقدر ما يتقن تشغيل المعدات.

الثانية أن السعة الفارغة ليست مورداً دائماً. إن نجحت مصر في رفع إنتاجها المحلي فستحتاج إلى هذه السعة لنفسها، وإن جاء أفروديت واكتشافات إكسون موبيل بعد كرونوس فستضيق السعة. ولذلك نرى أن على مصر أن تخطط لتوسعة منشآت المعالجة والإسالة من الآن، بدلاً من أن تكتشف بعد خمس سنوات أن “المنصة الجاهزة” صارت عنق زجاجة.

دروس عملية للمهندس

  1. السعة الفارغة أصل اقتصادي. في أي منشأة نفط أو غاز تقترب من نهاية ذروتها، اسأل: ما الذي يمكن أن يُربط بها؟
  2. أنظمة الإنتاج تحت سطح البحر مهارة مطلوبة. آبار كرونوس الأربع بلا منصة، وهذا النمط يتوسع في شرق المتوسط.
  3. تعلم عقود استخدام المنشآت. توزيع السعة ومواصفات الغاز وأولويات الصيانة بنود فنية قبل أن تكون قانونية.
  4. احسب بنفسك. تحويل المليون قدم مكعبة يومياً إلى مليارات متر مكعب سنوياً وإلى أطنان غاز مسال يحميك من قراءة العناوين وحدها.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية