عقود الخليج تهبط 37% في ربع واحد: الغاز يمسك السوق والبناء يتراجع، فأين يقف المهندس العربي؟
ماذا حدث؟
نشرت شركة كامكو إنفست الكويتية تقريرها الدوري عن سوق المشاريع في دول مجلس التعاون الخليجي، وتناقلته وسائل إعلام اقتصادية بين 7 و14 أكتوبر 2026. خلاصته أن قيمة العقود الممنوحة في الربع الثالث من العام هبطت إلى 47.4 مليار دولار، مقابل 75.6 مليار دولار في الربع نفسه من 2025، وأن كل دول المجلس الست سجلت تراجعاً سنوياً بنسبة من خانتين.
وعزا التقرير، بحسب ما نقلته زاوية، الهبوط إلى التوترات الجيوسياسية في المنطقة، واضطراب صادرات الطاقة وطرق التجارة، والهجمات على منشآت الطاقة، وهي عوامل يُتوقع أن تضغط على النمو وعلى قدرة الحكومات على تمويل المشاريع المخطط لها.
الأرقام
- الإجمالي: 47.4 مليار دولار في الربع الثالث، بانخفاض 37.2% سنوياً و19.2% عن الربع الثاني.
- تسعة أشهر: 204.1 مليار دولار، بارتفاع 2.5% عن 199.1 مليار في الفترة نفسها من 2025، مدفوعة بالإنفاق على الطاقة.
- السعودية: 24.4 مليار دولار، وهي الأكبر في المنطقة، مقابل 33.2 مليار قبل عام.
- الإمارات: 15.6 مليار دولار، بتراجع 25.8%، ونحو 40% منها (6.2 مليار) عقود لأدنوك.
- قطر: 5.2 مليار دولار، بتراجع سنوي 62.6% لكن بارتفاع 76.1% عن الربع الثاني.
- الكويت: 1.9 مليار دولار، بتراجع 57.3%، وأكثر من نصفها عقدان: 445 مليون دولار لتوربينات غازية في محطة الصبية للكهرباء وتحلية المياه، و379 مليون دولار لمنشأة فصل غاز في شمال الكويت.
- عُمان: 76 مليون دولار فقط، بتراجع 96.6%.
- القطاعات: البناء ما زال الأكبر بـ14.8 مليار دولار لكنه انخفض 44.7%. الغاز ارتفع 59.9% إلى 13.5 مليار، والكيماويات قفزت من 750 مليون إلى نحو 3.5 مليار دولار.
- تفاصيل لافتة: عقود البناء في الإمارات هبطت 67% إلى 5 مليارات دولار، وعقود الكهرباء في السعودية هبطت 83.4% إلى 1.6 مليار، بينما ارتفعت عقود البناء السعودية 7.6% إلى 9.2 مليار.
شرح مبسط: لماذا “العقود الممنوحة” مؤشر مبكر؟
العقد الممنوح هو لحظة توقيع المالك مع المقاول، أي بداية العمل لا نهايته. المشروع الذي يُمنح اليوم يحتاج شهوراً للتصميم التفصيلي والتوريد قبل أن يمتلئ الموقع بالعمال والمهندسين. لذلك فإن هبوط العقود في ربع واحد لا يظهر فوراً في المواقع، بل بعد فترة، حين تنتهي المشاريع الجارية ولا تأتي بعدها مشاريع جديدة بالحجم نفسه.
ويشير تحليل نشرته إنتربرايز إلى ما يسميه “أثر التأخير”: صدمة الحرب على صادرات الطاقة ومنشآتها لحقت بخط المشاريع متأخرة، فظهرت في أرقام الربع الثالث. والعكس صحيح أيضاً: أي تعافٍ في العقود سيحتاج وقتاً قبل أن يتحول إلى وظائف.
رأي: السوق لم يُغلق، بل غيّر عنوانه
القراءة السهلة لهذا التقرير هي “الخليج يتوقف”. وأظنها قراءة خاطئة. الرقم الإجمالي للأشهر التسعة ما زال أعلى من العام الماضي، وما يحدث هو انتقال واضح للمال من المباني والعقار إلى الغاز والكيماويات. أدنوك وأرامكو تحولتا إلى ما يشبه “ممتص الصدمات” للسوق كله، بتعبير إنتربرايز.
هذا التحول له معنى مباشر للمهندس العربي، والخليج من أكبر أسواق العمل الهندسي لأبناء المنطقة. المهندس المدني أو المعماري الذي بنى خبرته كلها في الأبراج السكنية والفنادق سيجد المنافسة أشد في الأشهر المقبلة. أما من يعرف أعمال المحطات الصناعية، والأنابيب، والهياكل المعدنية للمنشآت، والسلامة في بيئات المعالجة، فسوقه أوسع الآن مما كان قبل عام.
لكن في الأرقام ما يقلقني أكثر من تراجع العقار: عقود الكهرباء السعودية هبطت 83.4% في ربع واحد. الطلب على الكهرباء لا ينتظر انتهاء الأزمات، ومحطات التوليد والنقل تحتاج سنوات من التوقيع إلى التشغيل. إذا طال هذا التأجيل، فقد تجد المنطقة نفسها بعد سنوات أمام فجوة في القدرة يصعب سدها بسرعة. تأجيل برج سكني قرار مالي، أما تأجيل محطة أو خط نقل فقرار له ثمن يدفعه الجميع لاحقاً.
وأرى أن الدرس الأهم للشركات الهندسية العربية، خصوصاً الاستشارية الصغيرة والمتوسطة، هو خطر الاعتماد على قطاع واحد أو عميل واحد. الشركة التي كانت كل مشاريعها في التطوير العقاري ستتألم أكثر من التي وزعت أعمالها بين البنية التحتية والصناعة والطاقة.
ورقم عُمان مثال صارخ على ذلك. سوق كامل منح عقوداً بـ76 مليون دولار فقط في ثلاثة أشهر. المهندس أو المكتب الذي يعمل في سوق واحد صغير معرض لتوقف شبه كامل حين تتغير الظروف. وفي المقابل، قطر التي تراجعت سنوياً عادت لترتفع 76% عن الربع السابق، ما يعني أن الأسواق لا تتحرك معاً، وأن المرونة الجغرافية قيمة مهنية حقيقية لمن يستطيعها.
دروس عملية للمهندس
- تابع العقود الممنوحة لا الإعلانات. خط المشاريع المعلن كبير، لكن ما يتحول إلى عمل فعلي هو ما يُوقّع.
- وسّع خبرتك نحو المنشآت الصناعية. مهارات المدني والميكانيكي والكهربائي قابلة للنقل إلى مشاريع الغاز والكيماويات إذا تعلمت معاييرها ومتطلبات السلامة فيها.
- اقرأ التوزيع لا الإجمالي. قطر ارتفعت 76% عن الربع السابق رغم تراجعها السنوي، والسعودية زادت عقود البناء بينما هبطت في الإمارات.
- خطط لفجوة زمنية. أثر هبوط العقود على الوظائف يأتي متأخراً، فاستعد له قبل أن يصل.

