معرض “إعمار 2026” في دمشق: 1.75 مليار دولار من العقود، وأكبرها طريق دمشق دير الزور، فلماذا تبدأ إعادة الإعمار من “طريق الموت”؟
ما الذي حدث؟
في 18 سبتمبر 2026 أعلنت الجهة المنظمة لمعرض “إعمار 2026”، الدورة الثانية من المعرض الدولي لإعادة إعمار سوريا في دمشق، أن المعرض شهد توقيع نحو 3200 عقد مباشر بقيمة تتجاوز 1.756 مليار دولار، إضافة إلى 412 مذكرة تفاهم، بمشاركة 356 شركة من 27 دولة.
وأبرز العقود المعلنة: – الرواف للمقاولات (السعودية): عقد طرق وبنية تحتية بقيمة 300 مليون دولار، وهو أكبر عقد منفرد في المعرض. – مجموعة الحسن القابضة مع إسمنت الجوف: عقود توريد إسمنت بقيمة 72 مليون دولار. – الأنظمة التقنية المتقدمة: 15 مليون دولار لمشروع تنقية مياه ومحطات ضخ. – ثرى للتطوير العقاري: عقود توريد لمواد البناء والبنية التحتية لمشروع سكني في دمشق، دون قيمة معلنة.
العقد الأكبر: طريق دمشق تدمر دير الزور
قبل المعرض بشهر، في 19 أغسطس 2026، أعلنت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية ترسية مناقصة تأهيل طريقي دمشق تدمر وتدمر دير الزور على شركة الرواف السعودية وشركة الكواتي السورية، بقيمة نحو 300 مليون دولار، لأفضل عرض فني ومالي. وفي 4 سبتمبر بحث وزير النقل يعرب بدر مع ممثلي الشركتين تسهيلات بدء التنفيذ.
- الطول: نحو 425 كيلومتراً بحسب مدير المؤسسة.
- النطاق: تأهيل وصيانة الطريق القائم، وإنشاء مسار ثانٍ موازٍ بين دمشق وتدمر، وبين تدمر ودير الزور.
- المدة: 780 يوماً من توقيع العقد.
- الشروط الفنية بحسب ما نقلته الجزيرة عن الوزارة عند طرح المناقصة: معدات لا يقل طرازها عن 2018، ومهندسون بخبرة 10 إلى 15 عاماً.
ويُعرف هذا الطريق شعبياً بـ”طريق الموت”. ففي 25 يوليو 2026 أدى تصادم بين حافلتين عليه إلى مقتل 35 شخصاً وإصابة 30، بحسب وزارة الصحة السورية، وقال مسؤولو الطرق إن معظم الطرق السورية لم تحظ بصيانة حقيقية منذ نحو 15 عاماً.
حساب سريع: ماذا تشتري 300 مليون دولار؟
كلفة الكيلومتر. 300 مليون دولار لنحو 425 كيلومتراً تعني نحو 706 آلاف دولار للكيلومتر من المحور. لكن العقد يشمل عملين: تأهيل الطريق القائم وإنشاء مسار جديد بجواره. فإذا وزعنا الكلفة على نحو 850 كيلومتراً من المسارات، تصبح قرابة 350 ألف دولار لكل كيلومتر من المسار.
وهذا رقم منخفض لمسار جديد كامل بطبقات أساس ورصف وتصريف. ويوحي بأحد احتمالين: إما أن جزءاً كبيراً من “المسار الثاني” سيستفيد من مسارات أو طبقات قائمة، وإما أن المواصفات ستكون متواضعة. وكلا الاحتمالين يستحق أن توضحه الجهة المالكة.
الوتيرة. 425 كيلومتراً من المسار الجديد في 780 يوماً (نحو 26 شهراً) تعني أكثر من 16 كيلومتراً شهرياً، إلى جانب أعمال التأهيل. وهي وتيرة ممكنة في أرض صحراوية مستوية، إذا توفرت المواد والمعدات.
الفكرة الهندسية: لماذا المسار الثاني أهم من الإسفلت الجديد؟
الحادث الذي قتل 35 شخصاً كان تصادماً بين حافلتين. وفي الطرق ذات المسار الواحد باتجاهين، أخطر الحوادث هي التصادم الأمامي، لأن سرعتي المركبتين تُجمعان. ويحدث عادة عند التجاوز على طريق طويل مستقيم مزدحم بالشاحنات، أو عند الانحراف بسبب التعب أو الحفر.
إنشاء مسار ثانٍ موازٍ يحول الطريق عملياً إلى طريق مزدوج، فيفصل الاتجاهين ويزيل معظم فرص التصادم الأمامي. ولذلك أرى أن الفصل بين الاتجاهين هو “التحسين” الأكبر أثراً في هذا العقد، أكثر من تجديد الرصف نفسه. لكن قيمته تتوقف على تفاصيل: عرض الجزيرة الفاصلة بين المسارين، ووجود حواجز في المقاطع الضيقة، وتصميم نقاط الدوران والتقاطعات التي تعود فيها المركبات لتلتقي.
رأي: البداية الصحيحة، بشرط الشفافية
من بين كل العقود المعلنة، يعجبني أن أكبرها طريق يربط الشرق بالعاصمة، وأن ثاني أكبرها توريد إسمنت. فإعادة الإعمار تبدأ بالطرق التي تنقل المواد، وبالمواد التي تبني كل شيء آخر. وقد قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها نحو 82 ملياراً للبنية التحتية. فمبلغ 1.75 مليار دولار بداية صغيرة، لكنها في الاتجاه الصحيح.
لكن لدي ملاحظتان:
- الأرقام تحتاج إلى تفاصيل. كلفة 350 ألف دولار للكيلومتر من المسار تثير سؤالاً عن المواصفات. وأتمنى أن تنشر المؤسسة المقاطع العرضية وسماكات الطبقات المعتمدة، فهذا ما يحدد عمر الطريق.
- السلامة لا تنتهي بالرصف. الإنارة عند المدن، وعلامات الطريق، ومراقبة السرعة والحمولات، ومحطات استراحة لسائقي الحافلات والشاحنات على طريق بطول 425 كيلومتراً، كلها أرخص بكثير من الرصف وتنقذ أرواحاً بقدره.
دروس عملية للمهندس
- وزّع الكلفة على المسارات لا على المحور. في عقود التأهيل والتوسعة، كلفة “الكيلومتر” رقم مضلل إن لم تُفصل الأعمال.
- فصل الاتجاهين أهم إجراء سلامة. في الطرق الطويلة بين المدن، الجزيرة الفاصلة تنقذ أرواحاً أكثر من أي تحسين آخر.
- ابدأ بتقييم الطبقات القائمة. فحص الرصف القديم والتربة تحته يحدد هل يكفي الكشط والتغطية أم يلزم إعادة الإنشاء.
- إعادة الإعمار تبدأ بسلاسل الإمداد. الإسمنت والحصى والمعدات تحدد سرعة كل مشروع بعده.
المصادر
- Enterprise، “Two Saudi agreements accounted for a fifth of the USD 1.8 bn signed at Syria’s Imar” (18 سبتمبر 2026)
- يورونيوز عربية، تقرير عن عقود معرض إعمار 2026 (18 سبتمبر 2026)
- SANA، “$300 million contract awarded to rehabilitate Damascus–Deir Ezzor roads” (19 أغسطس 2026)
- SANA، “Transport Minister discusses $300 million Damascus-Palmyra-Deir Ezzor road project” (4 سبتمبر 2026)
- الجزيرة نت، “بتكلفة 300 مليون دولار.. البدء بتأهيل طريق دمشق – دير الزور خلال شهر” (26 يوليو 2026)

