رأيمصر

تثبيت أسعار الوقود في مصر: السعر الذي لا يتحرك يُفسد دراسات الجدوى قبل أن يُرهق الموازنة

ماذا حدث؟

في 15 أكتوبر 2026 أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية أن لجنة التسعير التلقائي راجعت المدخلات الرئيسية لمعادلة التسعير، وهي تغير سعر الصرف وتغير سعر خام برنت، في الربع من يوليو إلى سبتمبر 2026 مقارنة بالربع السابق، وقررت إبقاء أسعار المنتجات البترولية كما هي. وأشار البيان، كما نقلته بوابة الأهرام وموقع باور نيوز، إلى أن اللجنة عادت إلى العمل بقرار من مجلس الوزراء، وأنها راعت أيضاً تطورات الأسعار العالمية والإجراءات السعرية السابقة.

جاء القرار بعد أسابيع من التوقعات المتضاربة. فقد نقلت صحيفة الخليج في 9 أكتوبر عن حسن نصر، رئيس شعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، توقعه زيادة بين 10% و15%. وفي 14 أكتوبر نقل موقع بانكر عن مصادر إعلامية أن الحكومة تميل إلى التثبيت حتى نهاية ديسمبر.

الأرقام

  • الأسعار الحالية للتر: بنزين 80 بسعر 20.75 جنيهاً، وبنزين 92 بسعر 22.25 جنيهاً، وبنزين 95 بسعر 24 جنيهاً، والسولار 20.50 جنيهاً. أسطوانة البوتاجاز المنزلية 275 جنيهاً.
  • قبل عام: في أكتوبر 2025 كان لتر بنزين 95 بسعر 19 جنيهاً، والسولار 15.5 جنيهاً، بحسب صدى البلد. أي أن السولار ارتفع نحو 32% خلال عام.
  • فجوة النفط: في 9 أكتوبر كان برنت قرب 101 دولار للبرميل، بينما تفترض موازنة 2026/2027 سعر 75 دولاراً، أي فرقاً بنحو 35%، بحسب حسابات صحيفة الخليج.
  • السياق: في مارس 2026 تحدث رئيس الوزراء عن ضغط على حسابات الدولة مع ارتفاع النفط من نحو 61.3 إلى 93 دولاراً للبرميل.

شرح مبسط: ماذا تفعل المعادلة “التلقائية”؟

فكرة التسعير التلقائي بسيطة: سعر البيع المحلي يتبع تكلفة توفير المنتج. والتكلفة تتأثر أساساً بسعر النفط العالمي وسعر صرف الجنيه، ثم تكاليف التكرير والنقل والتوزيع. تجتمع اللجنة كل ربع سنة وتطبق المعادلة، مع سقف لنسبة التغيير في المرة الواحدة حتى لا تأتي القفزات صادمة.

قيمة هذه الآلية الحقيقية ليست في أنها ترفع السعر، بل في أنها تجعل حركته متوقعة. حين يعرف الجميع أن السعر يتبع التكلفة بخطوات صغيرة ومنتظمة، يستطيع المصنع وشركة النقل والمزارع أن يخطط. وحين تُعلّق المعادلة أو تُؤجل اجتماعاتها، يصبح السعر قراراً سياسياً لا يمكن التنبؤ به، حتى لو بقيت التسمية “تلقائية”.

رأي: التثبيت قد يكون مفهوماً، لكن الغموض مكلف

أفهم منطق الحكومة. الأسعار ارتفعت كثيراً خلال عام، والضغط المعيشي حقيقي، والسولار تحديداً يدخل في كل سلعة تُنقل بالشاحنات. لن أدّعي أن هناك قراراً مريحاً هنا.

لكنني أنظر إلى الأمر من زاوية المهندس الذي يكتب دراسة جدوى. أي مشروع لكفاءة الطاقة أو للتحول عن الوقود السائل يعتمد على رقم واحد قبل كل شيء: كم سأوفر في السنة؟ وهذا الرقم يساوي كمية الوقود الموفرة مضروبة في سعره. إذا كان السعر ثابتاً اليوم لكنه قد يقفز 15% غداً، أو يبقى مجمداً عامين، فإن فترة الاسترداد تصبح تخميناً.

خذ مثالاً افتراضياً للتوضيح: مزرعة تشغل طلمبة ري بالسولار، وتفكر في استبدالها بمنظومة طاقة شمسية. لو افترضنا أن المنظومة توفر 20 لتراً يومياً، فالتوفير السنوي عند السعر الحالي يقترب من 150 ألف جنيه. لكن صاحب المزرعة لا يسأل عن سعر اليوم، بل عن السعر خلال عمر المنظومة. وكل تجميد غير متوقع يقول له ضمنياً: انتظر، فربما لا يرتفع السعر. وهكذا يتأجل استثمار كان سيخفض استهلاك الوقود المستورد بشكل دائم.

الشيء نفسه ينطبق على شركات النقل التي تدرس التحويل إلى الغاز الطبيعي، وعلى المصانع التي تدرس استرداد الحرارة المهدرة، وعلى أساطيل الحافلات التي تدرس الكهرباء. السعر المجمد تحت التكلفة لا يدعم المستهلك فقط، بل يدعم أيضاً بقاء المعدات غير الكفؤة في الخدمة.

لذلك أرى أن البديل الأفضل من التجميد الطويل ثم القفزة الكبيرة هو العكس تماماً: تطبيق المعادلة في موعدها بخطوات صغيرة، مع دعم موجّه ومباشر للفئات الأضعف وللنقل العام، ونشر الفجوة بين التكلفة وسعر البيع لكل منتج بشكل دوري. الشفافية في الفجوة تجعل السعر المستقبلي قابلاً للتقدير، وهذا وحده يفتح باب استثمارات الكفاءة.

ما الذي يعنيه القرار للمهندسين الآن؟

القرار الحالي، بحسب ما أُعلن، يغطي مراجعة ربع يوليو إلى سبتمبر. وما دام برنت أعلى كثيراً من افتراض الموازنة، فاحتمال التحريك لاحقاً قائم. على المهندس ألا يبني دراسته على افتراض أن سعر اليوم دائم.

دروس عملية للمهندس

  1. لا تستخدم سعراً واحداً للوقود في دراسة الجدوى. ضع ثلاثة سيناريوهات على الأقل: تثبيت، وتحريك تدريجي، وقفزة بعد تجميد.
  2. احسب “السعر الحدّي”. ما سعر لتر السولار الذي يجعل مشروعك مجدياً؟ إن كان قريباً من السعر الحالي، فالمشروع حساس جداً للقرار القادم.
  3. افصل التوفير في الكمية عن التوفير في السعر. تقليل اللترات المستهلكة مكسب دائم، أما فرق السعر فقد يتغير بقرار.
  4. راقب مدخلات المعادلة لا الأخبار. سعر برنت وسعر الصرف كل ربع سنة يعطيانك إشارة أوضح من التصريحات.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية