15 مليار دولار ومصنع بلا زبائن بعد: لماذا تبحث Rapidus اليابانية عن 17 شريك تصميم قبل أن تبيع أول رقاقة بتقنية 2 نانومتر؟
ما الذي حدث؟
في 5 أكتوبر 2026، بحسب موقع DIGITIMES، أعلنت Rapidus تحالفاً مع 17 شركة مرتبطة بتصميم أشباه الموصلات. وذكرت وكالة رويترز، في تحليل نُشر في 6 و7 أكتوبر، أن من بين هذه الشركات Synopsys الأمريكية لبرمجيات تصميم الرقائق، وInfosys الهندية لخدمات التقنية، وأن هدف الشراكات هو مساعدة الزبائن على تصميم رقائق تناسب عمليات Rapidus التصنيعية.
وتأسست Rapidus عام 2022، ويقع مصنعها في مدينة تشيتوسه بجزيرة هوكايدو، وتعمل مع شركة IBM وبدأت التشغيل التجريبي. وتلقت دعماً حكومياً يقارب 15 مليار دولار، منها 4 مليارات إضافية وافقت عليها وزارة الصناعة اليابانية في أبريل 2026. وتستهدف بدء التصنيع التعاقدي بتقنية 2 نانومتر في النصف الثاني من السنة المالية المقبلة، وطرحاً عاماً لأسهمها نحو السنة المالية المنتهية في مارس 2032.
لكن رويترز لم تذكر زبوناً مؤكداً واحداً. ونقلت عن مدير استثماري قوله إن السؤال الأكبر لا يزال: من سيملأ المصنع فعلاً؟ وقال الرئيس التنفيذي أتسويوشي كويكه إن “شركة أو اثنتين لا تكفيان”.
الأرقام والمعطيات
- الدعم الحكومي: نحو 15 مليار دولار، منها 4 مليارات في أبريل 2026.
- شركاء التصميم: 17 شركة، المعلن منها Synopsys وInfosys.
- العقدة التقنية: 2 نانومتر.
- الموقع: تشيتوسه، هوكايدو.
- بدء الإنتاج التعاقدي: النصف الثاني من السنة المالية المقبلة.
- حصة اليابان من سوق أشباه الموصلات: من نحو 50% في الثمانينيات إلى أقل من 10% اليوم.
- المنافسون: TSMC وسامسونغ، التي بدأت إنتاج 2 نانومتر العام الماضي، وإنتل.
شرح مبسط: المسافة بين ملف التصميم والرقاقة
في صناعة الرقائق الحديثة، الشركة التي تصمم الرقاقة غالباً لا تصنعها. فهي ترسل تصميمها إلى “مسبك” مثل TSMC أو Rapidus. لكن التصميم لا يُكتب في فراغ، بل يُبنى على حزمة اسمها “حزمة تصميم العملية” (PDK)، يصدرها المسبك ويصف فيها قواعد عمليته: أصغر عرض مسموح للخطوط، والمسافات بين الطبقات، وسلوك الترانزستور الكهربائي عند كل جهد وحرارة.
وفوق هذه الحزمة تأتي ثلاث طبقات تحتاجها أي شركة تصميم: 1. أدوات التصميم الإلكتروني (EDA): برمجيات المحاكاة والتوجيه والتحقق، وهنا دور شركات مثل Synopsys. ويجب أن تكون الأدوات “معتمدة” لعملية المسبك تحديداً. 2. الكتل الجاهزة (IP): دوائر مصممة ومختبرة مسبقاً، مثل الذاكرة المدمجة وواجهات الاتصال السريعة. لا أحد يصمم كل شيء من الصفر. 3. خدمات التصميم: فرق هندسية تنفذ التصميم أو جزءاً منه لمن لا يملك فريقاً كاملاً، وهنا يأتي دور شركات خدمات مثل Infosys.
وفي عقدة 2 نانومتر تتعقد هذه الطبقات أكثر. فهذه الأجيال تعتمد عموماً على ترانزستورات “البوابة المحيطة” (GAA)، حيث تلتف البوابة حول قنوات أفقية رقيقة من السيليكون من كل الجهات، بدل الزعانف العمودية في الجيل السابق. وهذا يغير النماذج الكهربائية وقواعد التصميم، فلا يمكن نقل تصميم جاهز من مسبك آخر كما هو. بل يحتاج إعادة تنفيذ وتحقق على حزمة المسبك الجديد، وهي عملية تستغرق شهوراً وتكلف كثيراً.
ولهذا تخاطر الشركة التي تنتقل إلى مسبك جديد مرتين: مرة في كلفة إعادة التصميم، ومرة في احتمال ألا يصل المسبك إلى نسبة إنتاج سليم (Yield) مستقرة. وقد نقلت رويترز أن حتى سامسونغ عانت في تحقيق هذه النسبة.
رأي: المصنع يُشترى بالمال، والزبون لا يُشترى إلا بتقليل خوفه
أرى أن إعلان الشركاء السبعة عشر أهم من أي إعلان عن معدات المصنع. فالحكومة اليابانية استطاعت أن تشتري الأرض والآلات والشراكة مع IBM. لكنها لا تستطيع أن تشتري قرار شركة تصميم في كاليفورنيا أو بنغالور بنقل منتجها إلى مسبك جديد. وما تفعله Rapidus الآن هو محاولة لخفض كلفة هذا القرار: أدوات جاهزة، وكتل جاهزة، ومهندسون جاهزون للتنفيذ.
ونقطة الضعف واضحة في الأرقام. فالشركة تقترب من موعد الإنتاج التعاقدي دون زبون معلن. وأنصار المشروع يراهنون على الشركات الأصغر التي لا تجد مكاناً لدى TSMC، لكن هذه الشركات هي أيضاً الأقل قدرة على تحمل كلفة إعادة التصميم ومخاطر نسب الإنتاج. وفي رأيي، سيتحدد نجاح Rapidus بعدد التصاميم التي تصل إلى مرحلة “إرسال التصميم للتصنيع” خلال السنة الأولى، لا بحجم الدعم.
والدرس للمنطقة العربية مباشر. فدول الخليج ومصر والمغرب تتحدث عن دخول صناعة الرقائق. واليابان تثبت أن بناء المسبك بلا منظومة تصميم مخاطرة كبيرة. والمسار الأذكى لنا هو العكس: البدء من التصميم والتحقق والكتل الجاهزة، حيث الاستثمار أقل والمهارة قابلة للتصدير، وفي مصر مثلاً خبرة متراكمة في مراكز تصميم إلكترونيات تابعة لشركات عالمية.
دروس عملية للمهندس
- تعلم قراءة حزمة PDK. هي “الكود” الذي يربطك بالمسبك، ومن يفهمها يفهم حدود التصميم.
- مهارات التحقق مطلوبة. التحقق يستهلك جزءاً كبيراً من جهد مشروع الرقاقة، وهو مدخل جيد للمهندس الجديد.
- افهم الانتقال إلى GAA. نماذج الترانزستور الجديدة تغير التصميم التناظري والرقمي معاً.
- قيّم المسبك بنسبة الإنتاج لا بالعقدة. رقم 2 نانومتر وحده لا يخبرك بكلفة الرقاقة السليمة.
- خدمات التصميم مسار تصدير. شركات الخدمات، كالهندية، تبيع ساعات هندسية للمسابك وزبائنها، وهو نموذج يمكن تكراره عربياً.
المصادر
- Reuters عبر Investing.com، “Analysis: Japan’s $15 billion Rapidus chip bet hinges on winning customers” (6 أكتوبر 2026)
- DIGITIMES، “Rapidus targets customers underserved by TSMC, but can it convince them to take the risk?” (12 أكتوبر 2026)
- EconoTimes، “Rapidus Seeks Chip Customers as Japan Pushes 2nm Semiconductor Revival” (7 أكتوبر 2026)
- Next Move Strategy Consulting، “Rapidus 2nm Chip Push: Semiconductor Manufacturing Equipment Market Update” (9 أكتوبر 2026)

