الشامتقنيات هندسية

انفجار أثناء تفريغ غاز في مصنع رقائق: حادثة كريات جات تذكر بأن أخطر لحظة في مصنع أشباه الموصلات قد تكون عند بوابة الشاحنات

ما الذي حدث؟

بحسب موقع CTech الاقتصادي، وقع الانفجار يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 أثناء عمليات تفريغ شاحنات في موقع إنتل الصناعي. وقال قائد شرطة المدينة شاي أليلي إن شاحنة أفرغت حمولتها في خزانات ثم فُصلت، وبعد توصيل شاحنة ثانية وقع الانفجار، مضيفاً: “نفهم أنه كان هناك عطل”. وأكد أنه لا يستطيع في هذه المرحلة الإشارة إلى أي شبهة جنائية أو إهمال.

وتوفي فني غاز في الموقع، وتوفي عامل ثانٍ عمره 49 عاماً في اليوم التالي في مستشفى سوروكا، بينما بقي ثالث في العشرينيات من عمره في العناية المركزة. وأدى الانفجار إلى حريق وتسرب لغاز NF3، وتابعت فرق المواد الخطرة الوضع حتى أعلنت السلطات زوال الخطر عن السكان القريبين. وقالت إنتل إنها “حزينة بعمق” وتتعاون مع السلطات في التحقيق.

ويضم الموقع مصنع Fab 28 الذي ينتج رقائق بتقنية Intel 7، بحسب موقع DCD.

الأرقام والمعطيات

  • التاريخ: 14 أكتوبر 2026.
  • الضحايا: وفاة عاملين وإصابة ثالث بحروق خطيرة.
  • مكان الحادث: منطقة تفريغ الشاحنات وتوصيلها بالخزانات.
  • الغاز المتسرب: ثلاثي فلوريد النيتروجين (NF3)، وهو غير قابل للاشتعال لكنه سام.
  • السبب المشتبه: عطل في أسطوانة غاز أثناء التفريغ، بحسب الشرطة. لا نتائج رسمية بعد.

شرح مبسط: لماذا يحتاج مصنع الرقائق إلى غازات خطرة؟

مصنع الرقائق يبني الترانزستورات بطبقات رقيقة جداً تُرسب ثم تُحفر مئات المرات. وكثير من هذه العمليات يعتمد على غازات خاصة. وغاز NF3 تحديداً يُستخدم لتنظيف غرف الترسيب من البقايا المتراكمة على جدرانها بين دفعة وأخرى، ويُستخدم أيضاً في الحفر. ولأن المصنع الكبير يستهلك كميات ضخمة منه، فإنه يصل غالباً بالشاحنات في أسطوانات أو حاويات كبيرة تُوصل بنظام تخزين وتوزيع.

وكون الغاز “غير قابل للاشتعال” لا يعني أنه آمن. فثلاثي فلوريد النيتروجين مؤكسد قوي عند درجات الحرارة المرتفعة، أي أنه يمكن أن يغذي احتراق مواد أخرى، وهو سام عند الاستنشاق. والغازات المضغوطة عموماً تخزن طاقة كبيرة، وأي فشل في صمام أو وصلة أو أسطوانة قد يطلقها دفعة واحدة.

ولهذا تعد لحظة التوصيل والفصل أخطر لحظات التشغيل. ففيها يتدخل الإنسان مباشرة: يفك وصلة، ويركب أخرى، ويطهر الأنابيب من الهواء والرطوبة بغاز خامل، ويختبر الإحكام، ثم يفتح الصمامات بترتيب محدد. وأي خطأ في التسلسل، أو أي ملوث يدخل الوصلة، أو عيب في الأسطوانة نفسها، قد يحول عملية روتينية إلى حادث. ولهذا تصمم المصانع هذه المناطق بأنظمة كشف للتسرب، وصمامات تقفل تلقائياً عند التدفق الزائد، وتهوية قوية، وحواجز تحمي العاملين، وإجراءات مكتوبة لا يُسمح بتجاوز خطوة منها.

وهناك طبقة أخرى من الحماية تبدأ قبل وصول الشاحنة أصلاً، وهي سلامة الوعاء نفسه. فالأسطوانات والحاويات المضغوطة تخضع لفحوص دورية، منها اختبار الضغط الهيدروستاتيكي والفحص البصري للتآكل والشقوق، ولكل منها تاريخ صلاحية للفحص. كما أن الصمامات ومنظمات الضغط والوصلات المرنة تبلى مع تكرار التوصيل والفصل، وتحتاج سجل صيانة واستبدال. والغازات الفلورية تحديداً تتفاعل مع الرطوبة والمواد العضوية، فتلوث الوصلة بقليل من الشحم أو الماء قد يكون مصدر خطر. ولذلك تشترط المصانع الكبرى أن تكون كل الأجزاء المبللة بالغاز نظيفة بمواصفات خاصة.

رأي: السلامة في الواجهة الخلفية للمصنع

لا أريد أن أستبق التحقيق، فالسبب الدقيق لم يُعلن بعد. لكن ما نعرفه يكفي لدرس عام: الصورة الشائعة لمصنع الرقائق هي غرفة نظيفة وآلات طباعة ضوئية بملايين الدولارات، بينما كثير من المخاطر الحقيقية في المناطق الأقل بريقاً، مثل ساحة الغازات ومحطة الكيماويات ومعالجة المياه. وهذه المناطق يعمل فيها غالباً موردون ومقاولون وفنيون من شركات الغاز، لا موظفو المصنع وحدهم، وهذا يجعل وضوح المسؤوليات والإجراءات بين الشركات أمراً حاسماً.

ويهمنا هذا مباشرة. فدول الخليج ومصر تتحدث عن دخول صناعة أشباه الموصلات، وصناعة البتروكيماويات العربية تتعامل يومياً مع غازات مضغوطة وسامة. والخبرة العربية في إدارة السلامة الإجرائية في المصافي والمجمعات الكيميائية أصل حقيقي، يمكن أن تنتقل إلى مصانع الرقائق إذا صُممت ساحات الغازات منذ البداية بمعايير صارمة، ودُرب فنيو التوصيل والفصل وأُعطوا صلاحية إيقاف العمل عند أي شك.

وأرى أيضاً أن الإعلان الشفاف لنتائج التحقيق، حين تصدر، سيكون أهم من الحادثة نفسها. فالصناعة كلها تتعلم من تقرير مفصل يشرح ما فشل ولماذا، وهذا ما يحول خسارة الأرواح إلى تحسين حقيقي في المعايير بدل أن تبقى مجرد خبر عابر.

دروس عملية للمهندس

  1. عامل لحظة التوصيل والفصل كعملية حرجة. إجراء مكتوب، وقائمة تحقق، وشخصان على الأقل.
  2. “غير قابل للاشتعال” ليس “آمناً”. راجع صحيفة بيانات السلامة لكل غاز: السمية والأكسدة والضغط.
  3. صمم للفشل. كشف التسرب، والإغلاق التلقائي، والتهوية، والمسافات الآمنة، تفترض أن الخطأ سيحدث يوماً.
  4. وضح المسؤوليات مع الموردين. من يملك الشاحنة والوصلة والخزان يجب أن يكون معروفاً قبل التفريغ.
  5. انتظر تقرير التحقيق وادرسه. لا تبن استنتاجاتك على الأخبار الأولى.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية