عُمان تعيّن مستشاراً فنياً لثلاث محطات غازية جديدة بنحو 3 جيجاوات: لماذا تبني دولة تستهدف 70% متجددة محطات غاز؟
ما الذي حدث؟
في 30 سبتمبر 2026 نشرت صحيفة Oman Observer أن شركة نماء لشراء الطاقة والمياه، المشتري الوحيد لقدرات الكهرباء والمياه في عُمان، عيّنت شركة Energoprojekt ENTEL، ومقرها بلغراد، مستشاراً فنياً لتطوير وطرح ثلاث محطات توليد بتوربينات غازية بالدورة المركبة. وتعمل الشركة الصربية في عُمان منذ 1996، وستعتمد على فرق في عُمان وصربيا وقطر. ولم تُعلن قيمة العقد ولا مدته، كما لم تحدد نماء بعد مواقع المحطات ولا قدرة كل منها ولا مواعيد تشغيلها، بحسب الصحيفة وموقع Energetica India.
الأرقام
- المحطات الجديدة: ثلاث، بقدرة إجمالية بين 2,800 و3,000 ميجاوات.
- نطاق الاستشارة: التصميم المبدئي، والمساعدة في اختيار المواقع، وإعداد وثائق المناقصة، وتقييم العروض، واختيار مقاول الهندسة والتوريد والإنشاء، ودعم الترسية والتوقيع، والتنسيق مع المستشارين الماليين والقانونيين.
- المحطتان القائمتان قيد التنفيذ: نحو 1,700 ميجاوات لتحالف تقوده نبراس، و870 ميجاوات في الدقم لشركة كوريا الغربية للطاقة (KOWEPO).
- اتفاقيتا شراء الطاقة: وُقعتا في يناير 2026 لمدة 20 عاماً، باستثمارات نحو مليار ريال عُماني (قرابة 2.6 مليار دولار).
- التصميم المستقبلي: المحطتان مصممتان لإضافة احتجاز الكربون لاحقاً، ولخلط الهيدروجين حتى 30% في الوقود.
- أهداف المتجددة: 30 إلى 40% من التوليد بحلول 2030، ونحو 60 إلى 70% بحلول 2040، بحسب توقعات نماء لسبع سنوات.
شرح مبسط: ماذا يفعل “المستشار الفني” للمشتري؟
في نموذج المنتج المستقل للطاقة، لا تبني الحكومة المحطة. تطرح الجهة المشترية مناقصة، ويتنافس المطورون على أقل تعرفة، ثم يبني الفائز المحطة ويملكها ويبيع الكهرباء بعقد طويل. وهنا يأتي دور المستشار الفني للمشتري: هو من يكتب “ماذا نريد” قبل أن يسأل السوق “بكم”.
يحدد المستشار القدرة المطلوبة وموقع الربط بالشبكة، ومصدر الغاز وضغطه، ومياه التبريد، ومعايير الكفاءة والانبعاثات، ومتطلبات المرونة مثل سرعة الإقلاع ومعدل تغيير الحمل. وكل سطر في هذه الوثائق يحدد شكل محطة ستعمل 20 أو 25 عاماً. لذلك فإن خطأ المستشار في هذه المرحلة يكلف أكثر من خطأ المقاول في مرحلة البناء.
أما الدورة المركبة فتعني أن عادم التوربين الغازي الساخن لا يُطلق في الهواء، بل يمر في غلاية لاسترجاع الحرارة تنتج بخاراً يدير توربيناً بخارياً ثانياً. وبهذا تنتج المحطة كهرباء أكثر من الوقود نفسه مقارنة بالتوربين الغازي وحده.
ما الذي لم يُحسم بعد؟
غياب المواقع والقدرات والمواعيد عن الإعلان ليس نقصاً في الخبر، بل هو بالضبط ما سيعمل عليه المستشار. وأمامه ثلاثة أسئلة هندسية كبيرة. الأول: من أين يأتي الغاز وبأي ضغط، وهل تحتاج المواقع إلى خطوط تغذية جديدة؟ الثاني: كيف تُبرد المحطة، بمياه البحر على الساحل أم بالتبريد الهوائي في الداخل، وهو خيار يغير الكفاءة والكلفة معاً في صيف عُماني حار؟ الثالث: أين نقاط الربط بالشبكة القادرة على استيعاب مئات الميجاوات دون تعزيز كبير؟ وتقسيم القدرة على ثلاث محطات بدلاً من محطة واحدة عملاقة قد يكون جزءاً من الإجابة، لأنه يوزع المخاطر على مواقع وخطوط مختلفة.
رأي: الغاز في عُمان يُشترى من أجل الليل والصيف
قد يبدو التناقض واضحاً: دولة تستهدف ما يصل إلى 70% من الكهرباء المتجددة بحلول 2040، وتطرح في الوقت نفسه نحو 3 جيجاوات من الغاز فوق 2.5 جيجاوات أخرى قيد التنفيذ. لكننا نرى أن هذا ليس تناقضاً، بل اعتراف هندسي صريح بأن الشمس لا تعمل ليلاً، وأن ذروة الطلب في صيف الخليج تمتد إلى ما بعد الغروب. وموقع Energetica India يشير إلى ذلك حين يصف المحطات الغازية بأنها مصدر للطاقة القابلة للتحكم إلى جانب المتجددة.
لكن هذا المنطق يفرض على المستشار الفني شرطاً واضحاً: المحطات الجديدة يجب أن تُصمم لنمط تشغيل مختلف عن محطات الحمل الأساسي القديمة. في شبكة تزداد فيها الشمس سيُطلب من التوربينات أن تخفض حملها نهاراً وترفعه مساءً، وأن تقلع وتتوقف كثيراً. وهذا يغير اختيار التوربين، وتصميم الغلاية، وحسابات التعب الحراري في المعادن، وعقود الصيانة. ونرى أن وثائق المناقصة يجب أن تكافئ المرونة لا الكفاءة عند الحمل الكامل وحدها.
ونلاحظ بإيجابية أن المحطتين السابقتين صُممتا لاحتجاز الكربون لاحقاً ولخلط الهيدروجين حتى 30%. وننتظر أن ترفع المحطات الثلاث الجديدة هذا السقف، لأنها ستعمل حتى منتصف القرن، أي في زمن قد تصبح فيه انبعاثات الكربون مكلفة فعلاً.
ولماذا يهم هذا المهندس العربي؟ لأن كل دول الخليج تقريباً تسير في المسار نفسه: شمس كثيرة، وغاز يسد الفجوة. ومن يجيد تصميم محطة غازية مرنة سيكون مطلوباً لعقدين قادمين.
دروس عملية للمهندس
- وثائق المناقصة هي التصميم الأول. من يكتب المواصفة يحدد المحطة قبل أن يرسم المقاول خطاً واحداً.
- المرونة صارت معياراً. تعلّم حسابات سرعة تغيير الحمل وعدد الإقلاعات وأثرها على عمر المعدات.
- “جاهز لاحتجاز الكربون” يحتاج إلى مساحة. هذا الشرط يعني ترك أرض ومسارات أنابيب ونقاط ربط من اليوم الأول.
- الخبرة في نموذج المنتج المستقل مطلوبة. فهم العلاقة بين المشتري والمطور والمقاول والمقرض مهارة يحتاجها كل مهندس طاقة خليجي.

