الصينمسار المهندس

الصين تضيف 76 ألف مقعد جامعي للذكاء الاصطناعي والرقائق حتى 2030: ماذا يعني أن تخطط دولة لتخصصات طلابها قبل أن تولد وظائفهم؟

ما الذي حدث؟

في مؤتمر صحفي عقدته وزارة التعليم الصينية في بكين يوم 23 سبتمبر 2026، قال غوو بنغ، مدير إدارة التخطيط والتطوير في الوزارة، إن الجامعات المنضوية تحت مبادرة “الدرجة الأولى المزدوجة” (Double First-Class) ستضيف 76 ألف مقعد في مرحلة البكالوريوس بين عامي 2027 و2030. وحدد المجالات المستهدفة: الذكاء الاصطناعي، والدوائر المتكاملة، والطب الحيوي، والطاقة الجديدة، إضافة إلى التخصصات البينية الناشئة.

ووصف غوو الخطة بأنها “ليست زيادة كمية فقط، بل تحسين للهيكل والجودة في الوقت نفسه”، وأن هدفها إعداد “كفاءات استراتيجية وتخصصات تحتاجها الدولة بشكل عاجل”. وستمول الخطة من الموازنة المركزية ومن سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل، لبناء حرم جامعية جديدة وتحسين المختبرات والسكن الطلابي والمطاعم والملاعب.

الأرقام

  • 76,000 مقعد بكالوريوس إضافي بين 2027 و2030 في الجامعات النخبوية.
  • 62,000 مقعد أضيفت فعلاً منذ 2024، بحسب غوو، ضمن هدف أوسع يتجاوز 100,000 مقعد بحلول 2030.
  • 61.3% معدل الالتحاق الإجمالي بالتعليم العالي في الصين عام 2025، و48.73 مليون طالب في التعليم العالي.
  • جامعة جنوب شرق الصين تضيف 600 مقعد في الذكاء الاصطناعي والدوائر المتكاملة والروبوتات، وجامعة شيديان أضافت 400 مقعد في الاتصالات والدوائر المتكاملة والذكاء الاصطناعي، بحسب صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست.
  • تقرير توظيف جامعي لمنصة 51job رصد 25 وظيفة شاغرة لكل متقدم في تصميم الدوائر المتكاملة، و15 في هندسة الخوارزميات، و14 في القيادة الذاتية.
  • عدد المهندسين في الصين ارتفع من نحو 5.2 مليون عام 2000 إلى نحو 17.7 مليون عام 2020، بحسب أرقام نقلتها الصحيفة عن بلومبرغ.

شرح مبسط: ما هي “الدرجة الأولى المزدوجة”؟

هي برنامج تمويل حكومي يقوم على الأداء، يستهدف أكثر من مئة جامعة صينية وأقسامها الأقوى، بهدف أن تصبح في مصاف الجامعات العالمية. “المزدوجة” تعني أن التمويل يذهب إلى جامعات بعينها وإلى تخصصات بعينها داخلها. لذلك حين تقرر الوزارة أين تضاف المقاعد، فهي لا توزع أرقاماً على الجامعات فقط، بل توجه تدفق الطلاب الأذكى نحو مجالات تراها استراتيجية.

والسبب الثاني ديموغرافي. نقلت الصحيفة عن رئيس لجنة التنمية والإصلاح الوطنية أن أعداد الطلاب ستبلغ ذروتها في المرحلة الإعدادية عام 2026، والثانوية عام 2029، والتعليم العالي عام 2032. أي أن موجة كبيرة من المتقدمين قادمة، وتريد الدولة أن تضعها في المكان “الصحيح” قبل أن تبدأ الأعداد بالانحدار.

رأي: التخطيط المركزي للتخصصات سلاح ذو حدين

في رأيي، أهم رقم في هذا الخبر ليس 76 ألفاً، بل رقم 25 وظيفة لكل متقدم في تصميم الدوائر المتكاملة. هذا يعني أن الصين، رغم أنها تخرّج ملايين المهندسين كل عام، ما زالت تعاني نقصاً حاداً في تخصصات بعينها، بينما يعاني خريجون آخرون في تخصصات تقليدية من صعوبة العثور على عمل. المشكلة إذن ليست في عدد المهندسين بل في توزيعهم.

والخطة الصينية محاولة لتصحيح هذا التوزيع من أعلى. لكنها تحمل مخاطرة واضحة نبه إليها شيونغ بينغ تشي من معهد أبحاث التعليم للقرن الحادي والعشرين حين سأل: “بعد أن تمر ذروة المواليد بعد نحو عقد، ماذا سيحدث لهذه المؤسسات؟”. التوسع الذي يبنى اليوم على سندات طويلة الأجل قد يجد نفسه بعد عشر سنوات أمام قاعات أقل امتلاء. والأهم أن سوق الذكاء الاصطناعي نفسه يتغير بسرعة، فالطالب الذي يدخل الجامعة عام 2027 سيتخرج عام 2031 في سوق لا يعرف أحد شكله بدقة.

ولماذا يهم هذا المهندس العربي؟ لثلاثة أسباب. الأول أن الصين شريك رئيسي في مشاريع الطاقة الجديدة والبطاريات والاتصالات في المنطقة، من المغرب إلى الخليج، وستأتي هذه المشاريع ومعها مهندسون صينيون خريجو هذه البرامج، أي منافسون مدربون على أحدث الأدوات. والثاني أن دولنا تواجه السؤال نفسه: كثير من الجامعات العربية ما زالت توسع مقاعد الهندسة المدنية والمعمارية بينما يشكو السوق من فائض فيها ونقص في الكهرباء والتحكم والبيانات. والثالث أن المقارنة تكشف ما ينقصنا: الصين تربط قرار المقاعد ببيانات توظيف فعلية مثل نسب الشواغر إلى المتقدمين، بينما يختار كثير من طلابنا تخصصهم بناء على المجموع أو رغبة الأسرة.

ولا أرى أن على الطالب العربي أن يقلد الخطة الصينية حرفياً فيندفع كله نحو الذكاء الاصطناعي. فالتخصص الذي يتوسع فيه الجميع اليوم قد يصبح مزدحماً غداً. الأذكى أن يتعلم الطالب الطريقة نفسها: أن يقرأ أرقام الطلب الفعلي قبل أن يختار.

دروس عملية للمهندس

  1. اسأل عن نسبة الشواغر إلى المتقدمين لا عن “شهرة التخصص”. ابحث في منصات التوظيف في بلدك عن عدد الإعلانات في تخصص معين مقارنة بعدد الخريجين. رقم واحد من هذا النوع أصدق من عشرات النصائح العامة.
  2. اجمع بين تخصص تقليدي ومهارة من المجالات الأربعة. مهندس الكهرباء الذي يفهم إلكترونيات القدرة يعمل في الطاقة الجديدة، ومهندس الميكانيكا الذي يجيد التحكم يعمل في الروبوتات. لست مضطراً لتغيير تخصصك كله.
  3. تابع الموجة الديموغرافية في بلدك. إذا كانت أعداد المتقدمين للجامعات سترتفع في السنوات القادمة، فالمنافسة على المقاعد والوظائف ستشتد، والتميز سيعتمد على المشاريع والخبرة العملية أكثر من الشهادة.
  4. تعلّم من المنافس قبل أن تلقاه. المهندسون الصينيون في مشاريع المنطقة يأتون بخبرة في سلاسل توريد البطاريات والرقائق. العمل معهم فرصة لنقل المعرفة إذا دخلتها مستعداً بالأسئلة الصحيحة.
  5. لا تبنِ مستقبلك على خطة حكومية واحدة. الخطط تتغير، والسوق يتغير أسرع. المهارة الأساسية في الرياضيات والفيزياء والبرمجة تبقى صالحة مهما تبدلت أسماء التخصصات.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية