الخليج العربيرأي

أبوظبي تنقل توقيع المرحلة من موظف البلدية إلى الاستشاري والمقاول: خطوة صحيحة، بشرط واحد لم يُكتب بعد

ماذا حدث؟

في 13 أكتوبر 2026 أعلن مركز التخطيط العمراني والتراخيص (UPPC) التابع لدائرة البلديات والنقل في أبوظبي إصدار التعميم رقم 9 لسنة 2026. ينطبق التعميم على كل مشاريع المباني الجديدة والجارية في الإمارة، ويغطي الأعمال الإنشائية والمعمارية والميكانيكية والكهربائية والسباكة، إضافة إلى أي نطاقات أخرى تحددها جهة الرقابة على البناء.

وقال المهندس عبدالله محمد البلوشي، المدير العام للمركز، إن التعميم يهدف إلى “تعزيز المساءلة بين الاستشاريين المشرفين والمقاولين”، وإن التوسع في التقارير الفنية المعتمدة والإجراءات الرقمية يسعى إلى تسهيل تسليم المشاريع “مع الحفاظ على رقابة تنظيمية صارمة ومساءلة مهنية واضحة طوال مراحل البناء”.

ما الذي يتغير؟

  • دور الاستشاري المشرف: يراقب التنفيذ ويتحقق من مطابقته للمخططات المعتمدة والمواصفات الفنية وكودات البناء، ويرفع تقارير المراحل عبر نظام التراخيص الموحد.
  • دور المقاول: يوثق كل الأعمال أثناء التنفيذ، ويخطر الاستشاري قبل بدء أي مرحلة رئيسية، ويسجل حالة الموقع.
  • مسؤولية مشتركة: يتحمل الطرفان معاً المسؤولية القانونية عن عدم المطابقة والعيوب والأعمال غير المطابقة، كل في نطاقه المحدد.
  • تقرير نهاية المرحلة: تقرير فني مؤرخ وموقع من الطرفين، يفصّل الأعمال المنفذة ونتائج الفحص والإجراءات التصحيحية، مدعوماً بالصور.
  • بديل للتصريح التقليدي: في فئات محددة من المشاريع، تحل هذه التقارير المعتمدة محل تصاريح إغلاق المراحل التقليدية.
  • ما لا يتغير: يبقى التفتيش الميداني الإلزامي قائماً، وكذلك موافقات الجهات الخارجية ومنها هيئة أبوظبي للدفاع المدني. وسيواصل المركز زياراته الميدانية المفاجئة، وتُطبق الغرامات والعقوبات القانونية عند المخالفة.

شرح مبسط: ما معنى “إغلاق المرحلة”؟

المبنى لا يُبنى دفعة واحدة. يمر بمراحل: الحفر والأساسات، ثم الهيكل الخرساني طابقاً بعد طابق، ثم التمديدات الكهروميكانيكية، ثم التشطيبات. بعض هذه المراحل يُغطى بعد انتهائه إلى الأبد: حديد تسليح القاعدة يُدفن في الخرسانة، والأنابيب تختفي داخل الجدران والأسقف.

لذلك يقوم نظام الرقابة التقليدي على “نقاط توقف”: لا يُسمح بصب الخرسانة أو إغلاق السقف قبل فحص ما تحته واعتماده. والسؤال الذي يجيب عنه التعميم هو: من يوقّع على هذا الاعتماد؟ في النظام القديم كان تصريح الإغلاق يمر عبر الجهة الحكومية. في النظام الجديد، ولفئات محددة، يكفي تقرير موثق موقع من الاستشاري والمقاول معاً، مع بقاء حق الجهة في التفتيش المفاجئ.

ولماذا الصور؟ لأن العيب الذي يُدفن في الخرسانة لا يمكن فحصه بعد ذلك إلا بالتكسير أو بفحوص غير إتلافية محدودة الدقة. الصورة المؤرخة لحديد التسليح قبل الصب، بأقطاره وتباعده وغطائه الخرساني، هي الدليل الوحيد تقريباً على ما حدث في تلك اللحظة. ولهذا فإن اشتراط التوثيق المصور ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو ما يجعل التقرير قابلاً للمراجعة والمحاسبة بعد سنوات.

رأي: نقل التوقيع صحيح، لكن من يحمي الموقِّع؟

أؤيد الاتجاه. الجهة الحكومية لا تستطيع أن ترسل مفتشاً إلى كل صبة خرسانة في إمارة تبني بهذا الحجم، ومحاولة ذلك تعني إما تأخيراً يدفع ثمنه الجميع، أو تفتيشاً شكلياً لا يرى شيئاً. أما الاستشاري المشرف فهو موجود في الموقع أصلاً، ومن المنطقي أن تكون شهادته هي الأساس، وأن تتحول الجهة الرقابية إلى مدقق يختار عينات ويعاقب بقسوة من يكذب.

وأهم ما في التعميم في رأيي ليس التقرير الرقمي، بل جملة “المسؤولية المشتركة”. في كثير من مواقعنا العربية تضيع المسؤولية بين المقاول الذي “نفذ حسب المخطط” والاستشاري الذي “لم يُبلَّغ” والمالك الذي “اعتمد على الاستشاري”. حين يوقع الطرفان معاً على تقرير مؤرخ مع صور، يصبح من الصعب على أي منهما أن يتنصل لاحقاً.

لكن هناك شرط لم يكتبه التعميم، وهو في رأيي ما سيحدد نجاحه: استقلال الاستشاري. الاستشاري المشرف يتقاضى أتعابه عادة من المالك، والمالك يريد السرعة. وإذا كان الاستشاري يخشى أن يخسر العقد إن أوقف العمل لعيب في التسليح، فإن توقيعه على تقرير المرحلة يصبح ورقة لا ضماناً. نقل سلطة الاعتماد من الحكومة إلى المهني ينجح حين يكون رفض التوقيع أقل كلفة على المهندس من التوقيع الخاطئ.

ولهذا أرى أن التعميم يحتاج إلى مكملين: تأمين مسؤولية مهنية إلزامي يتناسب مع حجم المشروع، وحماية واضحة للاستشاري الذي يوقف العمل لأسباب فنية موثقة من أي ضغط تعاقدي. ومن دونهما، سنكون قد نقلنا الورق من مكتب إلى مكتب، لا المسؤولية.

والتجربة تستحق أن تُتابع عربياً. كثير من مدننا تشكو من بطء التراخيص ومن ضعف الرقابة في الوقت نفسه، وهذا النموذج يحاول حل المشكلتين معاً: تسريع الإجراء وتشديد العقاب.

دروس عملية للمهندس

  1. وثّق قبل أن تغطي. صور حديد التسليح والتمديدات قبل الصب أو الإغلاق، مع التاريخ والموقع، صارت جزءاً من المسؤولية القانونية لا مجرد عادة جيدة.
  2. اعرف حدود نطاقك. المسؤولية مشتركة “كل في نطاقه”، فاقرأ عقدك وحدد بدقة ما تشرف عليه وما لا تشرف عليه.
  3. لا توقّع على ما لم تره. التقرير الموقع منك سيُقرأ في أي تحقيق لاحق كأنه شهادة شخصية.
  4. ابنِ إجراء إخطار واضحاً. إخطار المقاول للاستشاري قبل كل مرحلة رئيسية يجب أن يكون مكتوباً ومؤرخاً.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية