بريطانيا تضع الفيضان والجفاف تحت سقف واحد: الماء الزائد والماء الناقص مشكلة هندسية واحدة
ماذا حدث؟
في 11 أكتوبر 2026 أعلنت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية (Defra) تأسيس “فريق عمل الصمود أمام الفيضانات والجفاف”، برئاسة وزيرة الفيضانات والجفاف إيما هاردي. يضم الفريق ممثلين عن أكثر من 50 جهة، بينها وكالة البيئة، ومكتب الأرصاد الجوية، وسلطات المدن الكبرى، والدفاع المدني والإطفاء، وقطاعات الزراعة والمياه والتأمين، إضافة إلى مجموعات مجتمعية. وعُقد الاجتماع الأول في 14 أكتوبر، وخُصص لتقييم الاستعداد لفيضانات الشتاء ودروس الجفاف الجاري.
ويأتي الفريق الجديد امتداداً لفريق سابق اختص بالفيضانات وحدها منذ سبتمبر 2024، بحسب بيان وزاري سابق للبرلمان.
الأرقام
- 10.5 مليار جنيه إسترليني على الأقل للدفاعات ضد الفيضانات بين 2024 و2036، وتصفها الحكومة بأنها أكبر برنامج من نوعه في تاريخ إنجلترا.
- 4.2 مليار جنيه للدفاعات القائمة والجديدة خلال ثلاث سنوات.
- 1.4 مليار جنيه في 2026/2027 لبناء الدفاعات وإصلاحها، تغطي أكثر من 600 مشروع.
- أكثر من 260 مليون جنيه في العام نفسه لإدارة أصول وكالة البيئة وصيانتها وإصلاحها.
- 840 ألف عقار سيستفيد من البرنامج على مدى عشر سنوات.
- 8 جنيهات من الأضرار الاقتصادية تُمنع مقابل كل جنيه يُنفق، بحسب تقدير الحكومة.
- على جانب الجفاف: 65 مليون جنيه لدعم صمود المزارعين، وتسهيل قواعد بناء الخزانات داخل المزارع، والضغط على شركات المياه لخفض التسرب.
شرح مبسط: كيف يكون الفيضان والجفاف وجهين لمشكلة واحدة؟
نصمم شبكات تصريف الأمطار تقليدياً بهدف واحد: إخراج الماء من المدينة بأسرع ما يمكن. قنوات خرسانية، وأنابيب، ومخارج إلى النهر أو البحر. هذا يحمي الشوارع من الغرق، لكنه يعني أن الماء الذي سقط مجاناً يغادر قبل أن يتسرب إلى التربة أو يُخزن.
وفي المقابل، نصمم منظومات الإمداد بالمياه لجلب الماء من الخزانات والأنهار والمياه الجوفية. وحين يأتي الجفاف، نكتشف أن الخزانات الجوفية لم تُشحن بما يكفي، لأن الأمطار الغزيرة جرت فوق الأسطح الصلبة إلى البحر.
النهج المتكامل يعكس هذا المنطق: يُبطئ الماء بدلاً من تسريعه، فيستخدم الأحواض المؤقتة، والمسطحات القابلة للنفاذ، وبرك الاحتجاز، وخزانات المزارع، وشحن الطبقات الجوفية. المنشأة نفسها تخفف ذروة الفيضان وتخزن ماء لموسم الجفاف.
رأي: الفصل بين الملفين كان خطأ في التصميم قبل أن يكون خطأ في الإدارة
أرى أن أهم ما في الخبر هو الاسم: “الفيضانات والجفاف” معاً. لسنوات طويلة كان لكل ملف وزارته أو إدارته وميزانيته ومهندسوه. فريق يحسب كم متراً مكعباً يجب إخراجه في الثانية، وفريق آخر يحسب كم متراً مكعباً ينقصنا في الصيف، ولا يجلسان إلى الطاولة نفسها.
حين يجتمع الملفان، تتغير الأسئلة. لا نسأل فقط: كيف نحمي هذا الحي من الفيضان؟ بل: أين يمكن أن نخزن ماء هذا الفيضان؟ ولا نسأل فقط: من أين نأتي بماء إضافي؟ بل: كم من الماء الذي يسقط علينا نتركه يضيع؟
ولاحظت أيضاً رقماً يستحق التقدير: أكثر من 260 مليون جنيه في عام واحد لصيانة الأصول القائمة. الدفاعات ضد الفيضانات لا تنفع إن كانت بوابة معطلة أو جسر ترابي متآكل. وتخصيص ميزانية واضحة للصيانة بجانب ميزانية البناء علامة على نضج في التخطيط.
ورسالتي للمدن العربية مباشرة. مدننا تعيش التطرفين بحدة أكبر: شح مزمن في المياه، ثم عواصف مطرية قصيرة وعنيفة تغرق الشوارع في ساعات لأن شبكات التصريف لم تُصمم لها، أو لأنها غير موجودة أصلاً في بعض الأحياء. ومع ذلك نعامل مياه السيول غالباً كخطر يجب التخلص منه، لا كمورد يجب حصاده. أقترح أن يُشترط في كل مشروع تصريف أمطار جديد في منطقتنا تقييم لإمكانية التخزين أو الشحن الجوفي، وأن تجتمع جهات الصرف والمياه الجوفية والتخطيط العمراني في جهة تنسيق واحدة، كما فعلت بريطانيا.
وهناك جانب آخر في التجربة البريطانية يستحق النقل: إشراك شركات التأمين والمزارعين والمجتمعات المحلية في فريق واحد. شركة التأمين تملك بيانات دقيقة عن مواقع الأضرار المتكررة، والمزارع يعرف أين يتجمع الماء وأين تجف الأرض أولاً. هذه معرفة ميدانية لا تظهر دائماً في نماذج الحاسوب، وقد توفر على المهندس سنوات من التجربة والخطأ.
ولا أدّعي أن الحل سهل. شحن الطبقات الجوفية يحتاج تربة مناسبة ومياهاً غير ملوثة، وأحواض الاحتجاز تحتاج أرضاً في مدن مزدحمة. لكن البداية هي تغيير السؤال الهندسي نفسه، ثم تغيير الجهة التي تملك الإجابة عنه.
دروس عملية للمهندس
- صمم بمنطق “أبطئ الماء” لا “أخرجه بسرعة”. كل منشأة تصريف يمكن أن تكون منشأة تخزين أيضاً إن خُطط لها مبكراً.
- احسب القيمة المزدوجة. حوض احتجاز يخفض ذروة الفيضان ويشحن الطبقة الجوفية له عائدان، فأدرج الاثنين في دراسة الجدوى.
- ادرس هيدرولوجيا العواصف القصيرة العنيفة. نماذج الأمطار القديمة قد لا تمثل العواصف الحالية في المنطقة.
- الصيانة جزء من التصميم. ضع جدول صيانة وميزانية لكل منشأة حماية من الفيضانات منذ يومها الأول، فالمنشأة المهملة قد تفشل في أول عاصفة حقيقية.
المصادر
- GOV.UK، “New taskforce to boost Britain’s resilience to flooding and drought” (11 أكتوبر 2026)
- Smart Water Magazine، “UK launches flood and drought taskforce alongside £10.5 billion defence plan” (13 أكتوبر 2026)
- UK Parliament، Written statement HLWS1410 “Investing in our flood defences in 2026/2027 and beyond” (17 مارس 2026)

