عقد بملياري دولار لقطعة سيليكون “بسيطة”: لماذا تحتاج TSMC إلى GlobalFoundries لصناعة الوسيط في رقائق الذكاء الاصطناعي؟
ما الذي حدث؟
في 8 أكتوبر 2026، أعلنت شركة GlobalFoundries (جي إف) من مقرها في مالطا بولاية نيويورك اتفاقية تصنيع مع شركة TSMC التايوانية، أكبر مسبك للرقائق في العالم. بموجبها تقدم جي إف خدمات تصنيع لـTSMC وتضيف طاقة إنتاجية في مصنع مالطا لإنتاج الوسائط السيليكونية التي تدخل في منظومة التغليف المتقدم CoWoS، المستخدمة في معالجات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
وقالت جي إف إنها ستكون أول مصدر للوسائط من هذا النوع داخل الولايات المتحدة. وقال إد كاستي، نائب الرئيس الأول لأعمال CMOS في الشركة، إن “التغليف المتقدم أصبح حاسماً بشكل متزايد لتحقيق الأداء وكفاءة الطاقة والحجم”، وإن الشركة تبني “مصدراً آمناً وقابلاً للتوسع لعناصر أساسية في التغليف المتقدم”.
وبعد أقل من أسبوع، في 14 أكتوبر، أعلنت جي إف خطة أكبر: استثمار ياباني يصل إلى 21 مليار دولار في مصنعين جديدين في ولاية نيويورك، بحسب صحيفة ذا ناشيونال. والخبران معاً يرسمان صورة شركة تعيد تعريف دورها.
الأرقام الأساسية
- قيمة الاتفاقية: ملياري دولار، متعددة السنوات.
- المدة الأولية: خمس سنوات، مع إطار للتوسع لاحقاً حسب الطلب.
- الموقع: مصنع جي إف في مالطا، نيويورك.
- بدء الإنتاج الكمي: النصف الأول من 2028.
- التقنية: وسائط سيليكونية لمنظومة CoWoS، تدعم مكثفات الخندق العميق المدمجة (Embedded Deep Trench Capacitors).
- الملكية: جي إف مملوكة بأغلبيتها لشركة مبادلة للاستثمار في أبوظبي.
- السوق: ارتفع سهم الشركة 2.8% يوم الإعلان إلى 49.44 دولاراً، بحسب ذا ناشيونال.
شرح مبسط: ما هو الوسيط السيليكوني؟
معالج الذكاء الاصطناعي الحديث ليس شريحة واحدة. هو “حي صغير” من الشرائح: شريحة منطق أو أكثر للحساب، وحولها رصّات من ذاكرة النطاق العريض (HBM) التي تغذيها بالبيانات. المشكلة أن هذه الشرائح تحتاج إلى تبادل كميات هائلة من البيانات في كل جزء من الثانية، ولو وُضعت كل واحدة منها على اللوحة الإلكترونية بالطريقة التقليدية لكانت الأسلاك بينها أطول وأعرض مما يسمح بهذا التدفق.
الحل هو الوسيط: قطعة رقيقة من السيليكون توضع عليها الشرائح جنباً إلى جنب، وتحمل في داخلها آلاف الوصلات الدقيقة جداً التي تربط الحساب بالذاكرة على مسافات قصيرة. ثم يُركّب الوسيط بكل ما عليه فوق ركيزة (Substrate) تتصل باللوحة. لهذا تسمي TSMC تقنيتها “شريحة على رقاقة على ركيزة” (CoWoS)، ويوصف هذا النوع من التغليف بأنه 2.5D: ليس رصّاً عمودياً كاملاً للشرائح فوق بعضها، ولا توزيعاً مسطحاً تقليدياً.
أما مكثفات الخندق العميق فهي مكثفات تُحفر داخل السيليكون نفسه. وظيفتها تثبيت جهد التغذية عندما يسحب المعالج تيارات ضخمة تتغير فجأة. وضعها داخل الوسيط، تحت الشرائح مباشرة، يجعلها أقرب ما يمكن إلى مكان الحاجة.
لماذا تسند TSMC هذه المهمة لغيرها؟
الوسيط لا يحتاج إلى أحدث تقنيات الطباعة الضوئية التي تُصنع بها شرائح المنطق المتقدمة. لكنه يحتاج إلى مساحة كبيرة من الرقاقات وطاقة إنتاج مخصصة. ومع انفجار الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، صار التغليف المتقدم، لا تصنيع الشريحة نفسها، هو ما يحدد كم معالجاً يخرج إلى السوق.
بالنسبة لـTSMC، إسناد الوسائط إلى شريك يحرر طاقتها لما لا يستطيع غيرها صنعه، ويمنحها مصدراً داخل الولايات المتحدة في وقت تضغط فيه واشنطن لتوطين سلسلة التوريد. وبالنسبة لجي إف، التي لا تنافس على أصغر العُقد التقنية، فهذا سوق مناسب تماماً لخبرتها في التقنيات الناضجة والمتخصصة.
ويؤكد ذلك خبر 14 أكتوبر: فبحسب ذا ناشيونال، عدّلت جي إف اتفاق دعمها ضمن قانون الرقائق الأمريكي لتحويل 955 مليون دولار نحو الفوتونيات السيليكونية والسيليكون جرمانيوم والتغليف المتقدم في مواقعها بنيويورك وفيرمونت. أي أن الشركة تراهن على “ما حول الشريحة” لا على سباق النانومتر.
رأي: الحلقة المملة هي الحلقة المربحة
أرى أن هذا الخبر أهم للقارئ العربي مما يبدو. فالحديث عن صناعة الرقائق في المنطقة يدور غالباً حول حلم بناء مصنع متقدم ينافس TSMC، وهو حلم يحتاج إلى عشرات المليارات وعقود من الخبرة. لكن صفقة جي إف تقول شيئاً مختلفاً: في عصر الذكاء الاصطناعي، القيمة انتقلت جزئياً إلى حلقات كانت تُعد “بسيطة”، مثل الوسائط والتغليف والاختبار.
مبادلة تملك أصلاً شركة تعمل في قلب هذه الحلقة. والسؤال الذي أطرحه: هل تُترجم هذه الملكية المالية إلى معرفة هندسية في المنطقة؟ حتى اليوم، كل مصانع جي إف في أمريكا وأوروبا وآسيا. ولا أقول إن على أبوظبي بناء مصنع رقاقات غداً، لكن خطوط التغليف والاختبار أقل كلفة بكثير، وتحتاج إلى مهندسي مواد وعمليات وجودة يمكن تأهيلهم محلياً. هذا هو الباب الواقعي لدخول الصناعة، لا القفز مباشرة إلى أصغر الترانزستورات.
والملاحظة الثانية أن الجغرافيا السياسية صارت مواصفة فنية. عبارة “مصدر موثوق داخل أمريكا” تكررت في الخبرين. وأي دولة عربية تريد مكاناً في سلسلة الرقائق عليها أن تجيب عن سؤال الثقة والأمن بالقدر نفسه الذي تجيب فيه عن سؤال الكلفة.
دروس عملية للمهندس
- التغليف المتقدم تخصص قائم بذاته. يجمع هندسة المواد والحرارة والكهرباء والميكانيكا. من يفهم الإجهادات الحرارية وتمدد المواد المختلفة على قطعة واحدة مطلوب بشدة.
- سلامة القدرة (Power Integrity) مهارة نادرة. وجود مكثفات داخل الوسيط يعني أن تصميم شبكة التغذية صار جزءاً من التغليف لا من اللوحة فقط.
- لا تحكم على التقنية بعمرها. الوسيط يُصنع بتقنيات ليست الأحدث، ومع ذلك هو اليوم من أكثر الحلقات طلباً. المعرفة بالعمليات الناضجة لها قيمة.
- تابع التوطين لا الأرقام فقط. حين تُعلن صفقة بالمليارات، اسأل أين ستُبنى، ومن سيعمل فيها، وما المهارات المطلوبة.
المصادر
- HPCwire (بيان GlobalFoundries)، “GlobalFoundries and TSMC Sign US Manufacturing Deal for AI Packaging” (8 أكتوبر 2026)
- Manufacturing Dive، “GlobalFoundries, TSMC silicon interposers deal” (9 أكتوبر 2026)
- The National، “UAE-backed GlobalFoundries and TSMC announce $2bn manufacturing agreement” (8 أكتوبر 2026)
- The National، “UAE-backed GlobalFoundries to run two chip plants under $21bn US-Japan deal” (14 أكتوبر 2026)

