شيفرون تحفر في “لوتس” على عمق 2800 متر: لماذا يراهن المتوسط المصري على مياه لم يصلها أي بئر عميق؟
ما الذي حدث؟
في 5 أكتوبر 2026 وقّعت إيجاس وشركة شيفرون اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام وإنتاجهما في منطقة “لوتس” البحرية بالبحر المتوسط، بحضور وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي. وقّع عن إيجاس رئيسها التنفيذي سيد سليم، وعن شيفرون مدير الاستكشاف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والمتوسط أندرو ديغان، بحسب باور نيوز وديلي نيوز إيجيبت.
الاتفاقية لم تولد فجأة. فبحسب موقع بيرد ماريتايم، وافق مجلس الوزراء المصري في 16 أبريل 2026 على مشروع اتفاقية امتياز لوتس بين الحكومة وإيجاس وشيفرون، ثم جاء التوقيع الرسمي في أكتوبر.
الأرقام
- الحد الأدنى للاستثمار: 88 مليون دولار.
- برنامج العمل: حفر بئرين استكشافيتين، وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد موجودة.
- الموقع: نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط.
- عمق المياه: بين 2000 و2800 متر.
- التاريخ الجيولوجي للمنطقة: لم يُحفر فيها من قبل أي بئر استكشافي عميق، وفق بيان الوزارة الذي نقلته المصادر الثلاثة.
- محفظة شيفرون في المتوسط المصري: ست مناطق هي نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غرب أتول وشمال سيميان وشمال كليوباترا. وسبق أن حققت الشركة كشف نرجس للغاز، وأظهر بئر فيلوكس في شمال كليوباترا مؤشرات على وجود زيت خام.
- السياق: بحسب بيرد ماريتايم نقلاً عن بيانات MEES، بلغ استهلاك مصر من الغاز في يوليو 2026 نحو 7.36 مليار قدم مكعبة يومياً، بزيادة 16% على أساس سنوي، منها 4.68 مليار قدم مكعبة يومياً لتوليد الكهرباء.
الرقم الأخير يشرح كل شيء تقريباً: نحو ثلثي الغاز المستهلك يذهب إلى محطات الكهرباء، والطلب يرتفع بسرعة، وكل كشف جديد يعني استيراداً أقل للغاز المسال.
شرح مبسط: ماذا يعني الحفر على عمق 2800 متر من الماء؟
في المياه الضحلة تقف منصة الحفر على أرجل ترتكز على قاع البحر. أما في المياه العميقة جداً، كما في لوتس، فلا توجد منصة ثابتة تصل إلى القاع. يُستخدم عادة جهاز حفر عائم، إما سفينة حفر أو منصة شبه غاطسة، يبقى في مكانه بنظام “التموضع الديناميكي” الذي يشغّل محركات دفع متعددة باستمرار لمقاومة التيارات والرياح.
بين السفينة وفوهة البئر في القاع يمتد أنبوب يسمى الرايزر بطول يقارب عمق الماء، أي نحو 2.8 كيلومتر في أعمق نقطة. وفي القاع تُركّب مانعة الانفجار (BOP)، وهي صمامات ضخمة تغلق البئر في حالات الطوارئ. وبعد ذلك يبدأ الحفر الفعلي في الطبقات تحت القاع، الذي قد يمتد كيلومترات إضافية.
هذا يفسر لماذا يبدو مبلغ 88 مليون دولار متواضعاً مقارنة بالعمق. فكلفة البئر في المياه العميقة تُحسب أساساً من أيام تأجير جهاز الحفر، ومن تعقيد ضبط الضغوط بين الطبقات. ولهذا تعامل الشركات الرقم كحد أدنى ملزم، لا كتقدير نهائي للإنفاق.
لماذا تبدأ الصفقة بالسيزمية لا بالحفر؟
إعادة معالجة البيانات السيزمية تعني أخذ تسجيلات موجات صوتية قديمة سبق جمعها، وإعادة حسابها بخوارزميات أحدث وقدرة حوسبة أكبر. في المتوسط الشرقي تحديداً تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن طبقات الملح السميكة تشوّه الموجات وتجعل الصورة تحتها ضبابية. والمعالجة الحديثة قد تكشف شكل المصيدة الجيولوجية بوضوح لم يكن متاحاً عند جمع البيانات أول مرة.
بعبارة عملية: الشركة تنفق القليل على الحساب قبل أن تنفق الكثير على الحفر، وتختار موقعي البئرين بأفضل صورة ممكنة للمكمن.
رأي: قيمة لوتس الحقيقية في الإجابة لا في الغاز
أرى أن أهم ما في هذه الاتفاقية ليس احتمال الكشف، بل أنها ستجيب عن سؤال مفتوح منذ سنوات: هل تمتد الأنظمة البترولية الغنية في المتوسط الشرقي إلى هذه المياه العميقة البعيدة؟ بئران في منطقة لم تُحفر من قبل سيعطيان معلومات عن الصخور والضغوط والمكامن، وهذه المعلومات لها قيمة لكل المناطق المجاورة، سواء كانت النتيجة كشفاً أو بئراً جافة.
لكن يجب أن نكون واقعيين في التوقيت. البئر الاستكشافي الناجح في المياه العميقة لا يعني غازاً في الشبكة العام القادم. بين الكشف والإنتاج مراحل تقييم وتطوير وخطوط بحرية طويلة إلى الشاطئ، والمسافة هنا نحو 200 كيلومتر. ولذلك أرى أن لوتس رهان على أمن الغاز في الثلاثينيات، لا حل لعجز الصيف القادم.
والنقطة الثانية أن ثقة الشركات هي المورد الأندر. ربطت الوزارة عودة الاستثمار بانتظام سداد مستحقات الشركاء، وهذا صحيح هندسياً واقتصادياً: الشركة التي تتأخر مستحقاتها تؤجل الأجهزة الباهظة إلى بلد آخر. واستمرار هذا الانتظام سيحدد هل تبقى لوتس صفقة واحدة أم بداية موجة حفر عميق.
دروس عملية للمهندس
- هندسة المياه العميقة تخصص قائم بذاته. الرايزر وأنظمة التموضع الديناميكي ومعدات القاع مجالات تجمع الميكانيكا والهيدروليكا والتحكم، ويقل فيها المهندسون العرب المتخصصون.
- الجيوفيزياء الحاسوبية مهارة مطلوبة. إعادة معالجة السيزمية عمل برمجي وحسابي في الأساس، وفرصة لمهندسي البرمجيات المهتمين بالطاقة.
- فكّر في وقت الجهاز لا في سعر المعدات. في الحفر العميق، كل يوم تأخير مكلف، والتخطيط الدقيق لتسلسل العمليات يوفر أكثر من أي خصم في المشتريات.
- البئر الجافة ليست فشلاً هندسياً. إذا أعطت بيانات جيدة عن المنطقة، فقد أدت وظيفتها الاستكشافية.
المصادر
- باور نيوز، “استثمارات بـ 88 مليون دولار.. اتفاقية بين «إيجاس» و«شيفرون» للتنقيب عن الغاز والزيت بالبحر المتوسط” (5 أكتوبر 2026)
- Daily News Egypt، “Egypt’s EGAS, Chevron sign $88m gas and oil exploration deal for Mediterranean Lotus block” (5 أكتوبر 2026)
- Baird Maritime، “Chevron commits at least $88m for two exploration wells offshore Egypt” (6 أكتوبر 2026)

