بوابات السلامة البريطانية بعد غرينفيل: هل يستحق “التوقف الإجباري” ثمنه؟
ماذا حدث؟
في 9 أكتوبر 2026 نشرت الحكومة البريطانية بيانات منظم سلامة المباني (Building Safety Regulator) عن طلبات الموافقة الإنشائية للفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026. والمنظم هيئة أنشئت بموجب قانون سلامة المباني لعام 2022، الذي جاء ردّاً على حريق برج غرينفيل في لندن عام 2017.
ويختص المنظم بما يسمى “المباني عالية الخطورة”، وهي المباني التي يبلغ ارتفاعها 18 متراً أو سبعة طوابق على الأقل وفيها وحدتان سكنيتان أو أكثر، إضافة إلى المستشفيات ودور الرعاية. ومنذ 1 أكتوبر 2023 لا يجوز بدء أعمال البناء في هذه المباني قبل موافقة المنظم على التصميم، فيما يسمى “البوابة الثانية”، ولا يجوز إشغالها قبل حصولها على شهادة إنجاز، فيما يسمى “البوابة الثالثة”.
الأرقام
بحسب بيانات الفترة المنتهية في 5 أكتوبر 2026:
- 96% نسبة الموافقة على طلبات المباني الجديدة والتحويلات في البوابة الثانية، و23 أسبوعاً متوسط زمن الموافقة، لـ 11,822 وحدة سكنية.
- قبل عام تقريباً، في أغسطس 2025، كان المتوسط 43 أسبوعاً ونسبة الموافقة 39% فقط.
- 87% نسبة الموافقة على أعمال المعالجة الخارجية للمباني القائمة (مثل استبدال الكسوات القابلة للاشتعال)، بعد أن كانت 32% قبل اثني عشر شهراً.
- 20,471 وحدة سكنية عبرت البوابة الثانية خلال الفترة، و1,706 طلبات قيد الدراسة.
- 12 أسبوعاً هي المدة القانونية المحددة للبت في طلب مبنى جديد، أي أن المتوسط الفعلي ما زال نحو ضعف المدة القانونية.
- قفزت طلبات المباني الجديدة إلى 64 في سبتمبر مقابل 12 في يونيو، ويربط المنظم ذلك ببدء تطبيق “ضريبة سلامة المباني” في 1 أكتوبر 2026.
كيف يعمل النظام؟ شرح مبسط
قبل غرينفيل، كان المطور في إنجلترا يستطيع غالباً أن يبدأ البناء بينما تستكمل تفاصيل التصميم أثناء التنفيذ، وأن يختار جهة الرقابة على البناء بنفسه. النظام الجديد غير ذلك في ثلاث نقاط:
التوقف الإجباري (Hard Stop): لا تبدأ أعمال البناء الفعلية في مبنى عالي الخطورة حتى يوافق المنظم على حزمة تصميم كاملة تشرح كيف سيحقق المبنى متطلبات السلامة من الحريق والإنشاء. إعداد الموقع والهدم والجسات وخوازيق الاختبار مستثناة.
التغيير الجوهري يحتاج موافقة: إذا تغير التصميم أثناء التنفيذ تغييراً كبيراً، يعاد عرضه على المنظم، ومدة البت فيه ستة أسابيع.
الخيط الذهبي (Golden Thread): يجب حفظ معلومات المبنى إلكترونياً وتحديثها باستمرار وتسليمها لمن يتولى إدارته بعد الإشغال، بحيث يعرف المسؤول بعد عشرين عاماً ما هي المواد المستخدمة في الواجهة، ومن صممها، ولماذا. ويشجع النظام استخدام نمذجة معلومات البناء (BIM) لهذا الغرض.
رأي: البطء لم يكن عيب النظام، بل كشف عيوب التصاميم
قضى قطاع البناء البريطاني العامين الماضيين يشتكي من المنظم: طوابير طويلة، وأوقات انتظار تجاوزت المدد القانونية بكثير، ومشاريع سكنية معطلة في بلد يعاني أزمة إسكان. وهذه الشكاوى في جزء منها مشروعة؛ فالمنظم نفسه بدأ بنقص في الكوادر، واضطر إلى إنشاء وحدة خاصة لتسريع الطلبات المعقدة.
لكن الرقم الأهم في رأيي ليس زمن الانتظار، بل نسبة الرفض القديمة. حين كانت 61% من طلبات المباني الجديدة لا تحصل على موافقة، فهذا لا يعني أن المنظم متشدد فحسب، بل يعني أيضاً أن كثيراً من التصاميم قدمت وهي ناقصة: تفاصيل الحريق غير محسومة، والمواد غير محددة، والمسؤوليات بين المصممين غير واضحة. كان القطاع معتاداً أن “يكمل التصميم في الموقع”. والبوابة الثانية أوقفت هذه العادة بالقوة.
الارتفاع من 39% إلى 96% خلال عام لا يفسره تحسن المنظم وحده. إنه أيضاً تعلم المطورين والمصممين كيف يقدمون تصميماً مكتملاً من البداية. وهذا بالضبط هو هدف النظام.
ومع ذلك لدي تحفظان:
- المدة القانونية يجب أن تحترم. 23 أسبوعاً مقابل 12 أسبوعاً قانونية فجوة كبيرة. النظام الذي لا يلتزم بمواعيده يفقد ثقة الصناعة، ويدفع المطورين إلى البحث عن ثغرات بدل الامتثال.
- المباني القائمة هي التحدي الحقيقي. أعمال التعديل الداخلي في المباني القائمة ما زالت بنسبة موافقة 85% ومتوسط 31 أسبوعاً، و1,109 طلبات قيد الدراسة. المباني الجديدة ستبنى بشكل صحيح، لكن ملايين الشقق في أبراج قديمة هي حيث يكمن الخطر.
لماذا يعنينا هذا عربياً؟
مدننا العربية تبني أبراجاً سكنية بسرعة كبيرة، وشهدت المنطقة خلال السنوات الماضية حرائق واجهات في أبراج سكنية. والسؤال الذي تطرحه التجربة البريطانية بسيط: هل يبدأ البناء عندنا بعد اكتمال التصميم ومراجعته من جهة مستقلة، أم يكتمل التصميم أثناء التنفيذ؟ وهل يعرف من يدير البرج بعد عشر سنوات ما المادة الموجودة في واجهته؟
رأيي أن مبدأ “التوقف الإجباري” للمباني العالية، ومبدأ “الخيط الذهبي” للمعلومات، يمكن تطبيقهما دون استيراد البيروقراطية البريطانية كما هي. الدرس ليس في عدد الأسابيع، بل في الفكرة: التصميم المكتمل والموثق قبل صب أول خرسانة هو أرخص إجراء سلامة يمكن أن نشتريه.
دروس عملية للمهندس
- صمم كأن هناك بوابة. حتى إن لم يشترط نظام بلدك موافقة مستقلة، اكتب مذكرة استراتيجية الحريق وحدد المواد قبل بدء التنفيذ. التغيير على الورق أرخص مئة مرة من التغيير في الموقع.
- تعلم BIM بوصفه سجلاً، لا أداة رسم فقط. قيمة النمذجة الحقيقية في أنها تحفظ “لماذا” اتخذ كل قرار، وهذا ما تطلبه الأنظمة الحديثة.
- وضح المسؤوليات كتابياً. من المسؤول عن تفاصيل التقاء الواجهة بالبلاطات؟ في كثير من الكوارث كان الجواب “لا أحد بالتحديد”.
- مهندس سلامة الحريق مهنة صاعدة. الطلب على من يجمع بين فهم الإنشاء والحريق والمواد يتزايد عالمياً، والمنطقة العربية لن تكون استثناء.
المصادر
- GOV.UK، “Building safety regulator building control approval application data July to September 2026” (9 أكتوبر 2026)
- Specification Online، “BSR clears more than 20,000 residential units through gateway 2 as overall approvals rise to 87%” (7 أكتوبر 2026)
- CMS Law، “New High Risk Buildings approval regime comes into force on 1 October 2023” (2023)
