مشروعات

10 مليارات درهم تحت الأرض فقط: ماذا يعني عقد “البنية السفلية” للمبنى الغربي في مطار آل مكتوم؟

ما الذي حدث؟

نشرت مجلة MEED في 9 أكتوبر 2026 أن مؤسسة مشاريع دبي للهندسة الجوية (DAEP) اختارت مقاولاً لتنفيذ حزمة البنية السفلية (Substructure) للمبنى الغربي في مطار آل مكتوم الدولي بدبي ورلد سنترال، بقيمة تقديرية تبلغ 10 مليارات درهم (نحو 2.7 مليار دولار). والفائز تحالف يضم الشركة الصينية للهندسة المدنية والإنشاءات (CCECC)، ومقرها بكين، وشركة ترايستار للهندسة والإنشاءات ومقرها أبوظبي. وتناقلت الخبر لاحقاً منصات أخرى، منها bne IntelliNews في 12 أكتوبر.

الحزمة جزء من المرحلة الأولى لتوسعة المطار البالغة نحو 35 مليار دولار (128 مليار درهم)، التي اعتمدتها حكومة دبي في أبريل 2024، والمستهدف تشغيل مرحلتها الأولى في 2032.

المشروع بالأرقام

  • قيمة الحزمة: نحو 10 مليارات درهم (2.7 مليار دولار)، للبنية السفلية فقط.
  • المبنى الغربي: منشأة من سبعة طوابق بمساحة 800 ألف متر مربع، وطاقة 45 مليون مسافر سنوياً، وهو الثاني من ثلاثة مبانٍ مخططة.
  • قطار الركاب الآلي (APM): يربط المبنى بالجانب الجوي عبر 14 محطة على مستوى المطار كاملاً، منها 4 محطات تحت الأرض في المرحلة الأولى. وقد أُرسي عقده في يوليو 2026 على تحالف ميتسوبيشي ولارسن آند توبرو بنحو 1.5 مليار دولار.
  • المطار في صورته النهائية: 70 كيلومتراً مربعاً، خمسة مدارج متوازية، 430 بوابة طائرات، وطاقة 260 مليون مسافر و12 مليون طن شحن سنوياً، أي خمسة أضعاف مساحة مطار دبي الدولي.
  • ما بقي: أعلن ولي عهد دبي في يونيو 2026 أن عقوداً بأكثر من 55 مليار درهم ستُطرح في المرحلة المقبلة، إلى جانب عقود بقيمة 13 مليار درهم قيد التنفيذ آنذاك، وأكثر من 10 ملايين ساعة عمل أُنجزت خلال 15 شهراً.
  • مؤشر تقريبي: 10 مليارات درهم موزعة على 800 ألف متر مربع تعني نحو 12,500 درهم لكل متر مربع من مساحة المبنى، للأعمال السفلية وحدها.

ما هي “البنية السفلية” ولماذا هي بهذا الحجم؟

في المباني العادية، الأساسات جزء صغير نسبياً من التكلفة. لكن مبنى المطار الحديث ليس مبنى عادياً، لأن نصف “المدينة” فيه يعيش تحت مستوى الأرض. البنية السفلية في مشروع كهذا تشمل عادة:

  1. الأساسات العميقة: خوازيق وحصائر خرسانية تحمل مبنى من سبعة طوابق بأحمال ضخمة وبحور إنشائية واسعة. وتشير MEED إلى أن الحزم اللاحقة تتضمن هياكل إنشائية طويلة البحور تغطي نحو 1.5 مليون متر مربع، وهذه البحور تنقل أحمالاً مركزة كبيرة إلى نقاط قليلة في الأساسات.
  2. المستويات تحت الأرض: وفيها عادة أنظمة نقل الأمتعة، والممرات الخدمية، والأنفاق التي تمر بها المرافق.
  3. الربط مع قطار الركاب الآلي: القطار يمر تحت ساحات الطائرات والمبنى، ومحطاته تحت الأرض. أي أن الأعمال السفلية للمبنى يجب أن “تتشابك” بدقة مع أنفاق ومحطات ينفذها مقاول آخر تماماً.

ولهذا تكون البنية السفلية في المطارات الكبرى حزمة قائمة بذاتها، بل مشروعاً كاملاً بحجم مليارات.

لماذا تقسّم دبي المبنى إلى حزم؟

الطريقة التقليدية أن يتولى مقاول واحد المبنى كله. لكن دبي تتبع أسلوب الحزم المتتابعة: أعمال تمهيدية، ثم أساسات، ثم بنية سفلية، ثم بنية علوية، ثم واجهات وأسقف، ثم أنظمة. وقد ذكرت MEED أن الحزم المخطط لها تشمل البنية العلوية للمبنى الغربي وأول ثلاثة مباني ركاب فرعية (Concourses)، ونظام الأمتعة، ومحطات توليد الطاقة وتبريد المناطق.

الفائدة الأساسية هي الوقت: يبدأ الحفر والصب بينما لا يزال تصميم الطوابق العليا يتطور. في مشروع بموعد ثابت هو 2032، هذا يوفر سنوات. والفائدة الثانية هي المنافسة: حزم بأحجام مختلفة تتيح لمقاولين متخصصين المشاركة، بدل حصر المشروع في عدد قليل من العمالقة.

رأي: المخاطرة الحقيقية ليست في الخرسانة بل في “الحدود” بين الحزم

10 مليارات درهم رقم يلفت الانتباه، لكن رأيي أن الخطر الحقيقي في هذا المشروع ليس فنياً بقدر ما هو تنظيمي.

حين يصب مقاول البنية السفلية الأساسات، فهو يحدد مواقع الأعمدة وفتحات المرافق وأماكن تثبيت المعدات قبل أن يكتمل تصميم ما فوقها بالكامل. وأي تغيير لاحق في تصميم البنية العلوية أو نظام الأمتعة أو محطات القطار الآلي قد يعني تعديل خرسانة صُبت بالفعل، وهذا أغلى أنواع التعديل في البناء.

لذلك فإن نجاح المشروع سيقاس بمدى جودة إدارة الواجهات (Interface Management) بين المقاولين: من يتحمل التنسيق؟ ومن يدفع ثمن التعارض؟ ومن يملك النموذج الرقمي المرجعي للمبنى؟ في المشروعات بهذا الحجم، كثير من التأخيرات تبدأ من تعارضات لم تُكتشف بين حزمتين، لا من نقص المعدات أو العمالة.

النقطة الثانية الإيجابية هي تركيبة التحالف نفسه. الجمع بين مقاول صيني صاحب خبرة في المشروعات الضخمة وشركة إماراتية محلية يتيح نقل خبرة حقيقية إلى السوق المحلي، بشرط أن تكون الأدوار الهندسية الأساسية مشتركة فعلاً لا شكلية.

وأخيراً، هذه الترسية وحدها تمثل نحو خُمس العقود البالغة 55 مليار درهم التي أُعلن طرحها. أي أن سوق المقاولات في دبي مقبل على موجة ترسيات كبيرة خلال الأشهر المقبلة، وسيكون السؤال هو قدرة سلاسل التوريد والعمالة الهندسية على مواكبتها.

دروس عملية للمهندس

  1. تعلّم إدارة الواجهات. في المشروعات متعددة الحزم، المهندس الذي يفهم أين تنتهي مسؤولية مقاول وتبدأ مسؤولية آخر أثمن من أي متخصص منفرد.
  2. إتقان BIM ونمذجة التنسيق ضرورة. كشف التعارضات بين الأساسات وأنفاق القطار الآلي ونظام الأمتعة يحدث في النموذج الرقمي قبل الموقع، وإلا كانت التكلفة مضاعفة.
  3. الهندسة الجيوتقنية والأساسات العميقة مطلوبة. مشروعات بهذا الحجم على أراضٍ واسعة تحتاج مهندسين يفهمون التربة والهبوط التفاضلي والخوازيق.
  4. راقب الحزم القادمة. البنية العلوية والواجهات والأسقف ونظام الأمتعة وتبريد المناطق كلها حزم مقبلة، وكل منها فرصة عمل لتخصص مختلف.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *