فيضان راسوا في نيبال: لماذا لم يعد “متوسط المئة عام” أساساً صالحاً للتصميم؟
ماذا حدث؟
في 26 أغسطس 2026 اندفع فيضان مفاجئ محمل بالحطام في نهر بوتي كوسي الذي يدخل نيبال من التبت، فاجتاح وادي راسوا شمال كاتماندو، ودمر أسواقاً وقرى وجسوراً ومحطات كهرومائية. وقال المسؤول الإداري للمنطقة يومها إنه لم تكن هناك أمطار قرب مقر الإقليم، وإنه لا يعرف إن كانت بحيرة جليدية قد انفجرت في الأعلى. ثم رجحت التحليلات اللاحقة، بحسب مجلة Down To Earth، انهيار جزء كبير من نهر جليدي على جبل لانغتانغ ليرونغ، أطلق خليطاً سريعاً من الجليد والصخور والماء في شبكة الأنهار، مع تحذير العلماء من أنه “من المبكر” نسبة الكارثة إلى الاحتباس الحراري بشكل قاطع.
وفي 6 أكتوبر نشر البنك الدولي تقرير “مستجدات التنمية في نيبال”، وخفض فيه توقعات النمو للسنة المالية 2027 إلى 3.7%، مشيراً إلى أضرار واسعة في الطاقة الكهرومائية والشمسية وخطوط النقل الكهربائي والطرق. وقال ديفيد سيسلين، مدير قسم نيبال في البنك، إن الكارثة “لحظة فرصة” لتعيد نيبال التفكير في بنيتها التحتية وتخطيطها.
الأرقام
بحسب تقرير البنك الدولي كما نقلته صحيفة كاتماندو بوست:
- 1.66 مليار دولار أضرار مادية مباشرة: 83% بنية تحتية، و11% مبان سكنية، و6% مبان غير سكنية. وتقدر الحكومة الأضرار المادية بـ 1.81 مليار دولار، والأثر الكلي بنحو 2.7 مليار دولار.
- 4.8 مليار دولار احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، 65.5% منها للبنية التحتية.
- 12 مشروعاً كهرومائياً تضررت: 7 مشاريع عاملة بقدرة 256 ميجاوات، و5 قيد الإنشاء بقدرة 395 ميجاوات، إضافة إلى محطة شمسية بقدرة 25 ميجاوات.
- 430.7 ميجاوات إجمالي القدرة المتأثرة مع أضرار خطوط النقل، أي 10.6% من القدرة المركبة المائية والشمسية في نيبال.
- أكثر من 55 كيلومتراً من ممر غالتشي-راسواغادي البالغ 82 كيلومتراً تضررت، منها 40 كيلومتراً جرفت بالكامل، مع تضرر 37 جسراً للسيارات و68 جسراً معلقاً.
- الخسائر البشرية: حتى 26 سبتمبر، بلغ عدد الوفيات 1,453 والمفقودين 5,285، بحسب هيئة الحد من مخاطر الكوارث في نيبال كما نقلتها كاتماندو بوست.
- 170 مليون دولار تمويل طارئ أتاحه البنك الدولي للاستجابة وإعادة تأهيل البنية التحتية.
شرح مبسط: كيف يصمم المهندس لفيضان لم يحدث بعد؟
كل منشأة على نهر، من الجسر إلى السد إلى محطة التوليد، تصمم لـ “فيضان تصميمي” له فترة رجوع محددة: فيضان المئة عام مثلاً هو الفيضان الذي احتمال حدوثه أو تجاوزه 1% في السنة الواحدة. ويحسب هذا الرقم إحصائياً من سجلات تدفق النهر في العقود الماضية.
هذه الطريقة تفترض أمرين: أن المستقبل يشبه الماضي إحصائياً، وأن الفيضان ماء فقط. وفيضان راسوا كسر الافتراضين:
- المناخ يتغير. ذوبان الأنهار الجليدية والأمطار الموسمية غير المنتظمة يغيران توزيع التدفقات، فيصبح “فيضان المئة عام” المحسوب من بيانات الماضي أصغر من الحقيقي.
- التدفق الحطامي ليس فيضاناً عادياً. خليط الجليد والصخور والطين أثقل بكثير من الماء، وقوته على الدعامات والأساسات والمآخذ أكبر، ويمكن أن يسد مجرى النهر ويكوّن بحيرات مؤقتة تنفجر لاحقاً.
- المخاطر متسلسلة. حدث في أعلى الجبل، ربما عبر الحدود، يصل إلى منشآت تبعد عشرات الكيلومترات خلال وقت قصير، فلا تكفي حماية كل مشروع وحده.
رأي: صممنا بنية تعيش مئة عام على بيانات الأمس
رأيي أن الدرس الأكبر من راسوا ليس عن نيبال وحدها، بل عن طريقة تصميمنا كلنا. نحن نبني سدوداً ومحطات وجسوراً ستعمل حتى نهاية القرن، ثم نصممها على سجلات تدفق من القرن الماضي. هذا تناقض هندسي واضح.
وهناك تناقض ثان: المشاريع الكهرومائية في نيبال تتركز في الأودية الضيقة نفسها، لأن هناك يوجد الانحدار والماء. لكن هذا يعني أن حدثاً واحداً في أعلى الوادي يضرب سلسلة كاملة من المحطات معاً. 12 مشروعاً في فيضان واحد ليس صدفة؛ إنه نتيجة تخطيط يقيم كل مشروع منفرداً ولا يقيم الوادي كنظام.
ولهذا أتفق مع ما قاله مسؤول في وكالة حماية البيئة، لم تسمه صحيفة The Nation الباكستانية في تقريرها يوم 10 أكتوبر: الأصول طويلة العمر يجب أن تصمم لظروف المناخ المستقبلية لا لمتوسطات الماضي، والتخطيط يجب أن ينتقل من حماية المشروع إلى تخطيط المخاطر على مستوى الحوض كاملاً.
لكني أضيف نقطة يغفلها كثيرون: التصميم الأقوى ليس دائماً الحل. أحياناً يكون القرار الصحيح هو تغيير الموقع، أو تقبل أن المنشأة قد تتضرر مع تصميمها بحيث تصلح بسرعة، أو إضافة مسار بديل للطاقة والنقل. وهذا ما يوصي به البنك الدولي صراحة حين يدعو إلى إضافة مسارات احتياطية (redundancy) في شبكات النقل والطاقة والاتصالات الحرجة. محطة لا تنهار أفضل، لكن شبكة لا تنقطع إذا انهارت محطة أهم.
ماذا يعني هذا للعالم العربي؟
قد تبدو جبال الهيمالايا بعيدة عنا، لكن المنطق نفسه ينطبق على أوديتنا. السيول المفاجئة في الأودية الجافة، التي قد لا تجري إلا مرة كل سنوات، هي من أخطر الظواهر في منطقتنا، وسجلات قياسها في كثير من الأودية قصيرة أو ناقصة. وكارثة سدي درنة في ليبيا عام 2023 تذكير مؤلم بأن منشأة صممت لظروف الماضي، وأهملت صيانتها، قد تتحول إلى مصدر الخطر نفسه.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مهندس عربي يصمم عبّارة أو جسراً أو سداً في وادٍ: ما الذي يحدث لو جاء فيضان أكبر من التصميم؟ إلى أين يذهب الماء؟ ومن يقف في طريقه؟
دروس عملية للمهندس
- استخدم سيناريوهات مناخية لا متوسطات تاريخية فقط. اختبر تصميمك على تدفقات أعلى من الفيضان التصميمي، ولو بنسبة تحوط واضحة، ووثق الافتراض.
- صمم لـ “الفشل الآمن”. فكر في مسار مفيض الطوارئ، وفي ما ينهار أولاً، وكيف ينهار. منشأة تفشل بطريقة متوقعة أقل خطراً من منشأة تفشل بشكل مفاجئ.
- قيم الحوض لا الموقع. قبل الموافقة على موقع منشأة، انظر إلى ما فوقه: بحيرات، منحدرات غير مستقرة، سدود أخرى، وحدود دولية قد تحجب البيانات.
- الإنذار المبكر جزء من التصميم. حساسات منسوب وأنظمة اتصال تعطي المواقع والقرى دقائق إضافية قد تنقذ أرواحاً، وتكلفتها ضئيلة مقارنة بقيمة المشروع.
- الحماية تشمل الناس في الموقع. مخيمات العمال ومباني التشغيل في قاع الوادي يجب أن تخضع لتقييم المخاطر نفسه الذي تخضع له التوربينات.
المصادر
- World Bank، “Nepal’s Growth Projected to Slow Following Devastating Rasuwa Flood” (6 أكتوبر 2026)
- The Kathmandu Post، “Nepal’s growth to slow to 3.7 percent after devastating Rasuwa flood” (6 أكتوبر 2026)
- The Nation، “Nepal flood losses highlight need for climate-resilient hydropower in South Asia” (10 أكتوبر 2026)
- The Kathmandu Post، “Flash flood hits Rasuwa, damages hydropower projects and markets” (26 أغسطس 2026)
- Down To Earth، “Nepal Floods: What we now know about the glacier collapse” (2 سبتمبر 2026)
