مسار المهندس

برنامج “الجير” في أبوظبي: حين يبدأ مهندس الطيران عمله قبل أن يتخرج

ما الذي حدث؟

احتفلت مجموعة أبوظبي للطيران يوم 7 أكتوبر 2026 في “إرث أبوظبي” بمرور عام على إطلاق برنامج “الجير”، المخصص لإعداد مهندسي صيانة طائرات من المواطنين الإماراتيين. ونشر المكتب الإعلامي لحكومة أبوظبي تفاصيل البرنامج في 13 أكتوبر، وأعلنت المجموعة أنها ستستقبل 35 طالباً جديداً كل عام، في حين يضم البرنامج حالياً أكثر من 65 مواطناً.

فكرة البرنامج أن الطالب ينضم موظفاً في المجموعة منذ بداية دراسته الجامعية أو في الكلية، ويتدرب عملياً في شركاتها: الاتحاد للهندسة، وجلوبال إيروسبيس لوجستكس، ومركز الصيانة والإصلاح والعَمرة العسكري المتقدم (AMMROC)، وأبوظبي لخدمات الطيران. ويشارك في البرنامج مركز “مواهب” التابع لدائرة التمكين الحكومي في أبوظبي شريكاً استراتيجياً.

البرنامج بالأرقام

  • 35 طالباً جديداً سنوياً.
  • أكثر من 65 مواطناً إماراتياً في البرنامج حالياً.
  • نحو الثلث فقط من المرشحين الذين يصلون إلى المقابلة النهائية يُقبلون، بعد عدة مراحل تقييم.
  • سنتان من التدريب العملي تحت الإشراف ضمن المسار.
  • الرخصة المستهدفة: رخص صيانة الطائرات من الهيئة العامة للطيران المدني من فئات B1 أو B1.3 أو B2، مع إمكانية الحصول على شهادات تخصصية لاحقاً.
  • الاعتماد التنظيمي: اعتمدت الهيئة العامة للطيران المدني دليل البرنامج في نوفمبر 2025، ووقعت مع المجموعة مذكرة تفاهم في فبراير 2026.

ما معنى B1 وB2؟ شرح مبسط

في صيانة الطائرات، لا يكفي أن تكون مهندساً لتوقع على أن طائرة صالحة للطيران. التوقيع حق قانوني لا يملكه إلا حامل رخصة من فئة محددة. وفي أنظمة Part-66 المستخدمة دولياً، كما تشرحها مثلاً هيئة سلامة الطيران المدني الأسترالية:

  • الفئة B1 للمهندس “الميكانيكي”: هيكل الطائرة والمحركات والأنظمة الميكانيكية والكهربائية. ولها فئات فرعية، منها B1.1 للطائرات ذات الأجنحة الثابتة بمحركات توربينية، وB1.3 للمروحيات بمحركات توربينية.
  • الفئة B2 لمهندس “الإلكترونيات الجوية”: أنظمة الأفيونيكس والأنظمة الكهربائية، وتشمل جميع أنواع الطائرات دون فئات فرعية.

الرخصة تجمع ثلاثة عناصر: معرفة نظرية مقسمة إلى وحدات يُختبر فيها المتقدم، وخبرة عملية موثقة على طائرات حقيقية، ثم تأهيل على طراز طائرة محدد. ولهذا فالعنصر الأصعب في الحصول على الرخصة ليس الدراسة، بل ساعات الخبرة العملية الموثقة. وهذا بالضبط ما يحله برنامج “الجير”: الطالب يجمع خبرته وهو يدرس، فيصل إلى الرخصة أسرع.

النموذج ليس جديداً، والجديد هو التوسع

طيران الإمارات تشغّل منذ 1989 برنامج منح لرخصة مهندس صيانة الطائرات (AMEL) للمواطنين الإماراتيين من خريجي الثانوية. ويمتد البرنامج خمس سنوات ونصفاً على مرحلتين، يبدأ فيه المتدرب بمكافأة ثم ينتقل إلى راتب كامل ومزايا، وتخرج فيه أكثر من 800 إماراتي حتى 2023. أي أن نموذج “ادرس واعمل وأنت تتقاضى أجراً” أثبت نفسه في المنطقة منذ عقود، والجديد أن جهات حكومية مثل “مواهب” باتت تدفعه إلى قطاعات أخرى، وهو ما عبّر عنه الدكتور عبدالله الشمري من دائرة التمكين الحكومي حين قال إن الهدف ربط المواطنين بمسارات مهنية متخصصة ومستدامة في القطاعات ذات الأولوية.

رأي: التوطين الخليجي يتجه من “عدد المقاعد” إلى “الرخصة”

أرى أن “الجير” مثال على تحول أعمق في سياسات التوطين الهندسي في الخليج. الجيل الأول من التوطين كان يقيس النجاح بعدد المواطنين في الكشوف. أما الجيل الحالي فيربط الوظيفة بمؤهل مهني يمكن التحقق منه. والسعودية سارت في الاتجاه نفسه: فقرار رفع نسبة التوطين إلى 30% في 46 مهنة هندسية، الذي بدأ تطبيقه في 30 يونيو 2026 على المنشآت التي يعمل بها خمسة عاملين أو أكثر في هذه المهن، يشترط حصول المهندس على الاعتماد المهني من الهيئة السعودية للمهندسين، وتشمل قائمته مهندس الطيران.

وهذا التحول في رأيي جيد للمهنة كلها. فحين تصبح الرخصة هي المعيار، يتنافس المواطن والوافد على أساس الكفاءة الموثقة، لا على أساس الجنسية وحدها. والمواطن الذي يدخل الوظيفة برخصة B1 لا يحتاج إلى حماية حصة، لأنه يملك ما لا يملكه غيره: حق التوقيع.

لكن هناك ملاحظة مهمة للمهندس الوافد: هذه البرامج تعني أن الطلب على المهندس الأجنبي المبتدئ في قطاعات مثل صيانة الطائرات سيتراجع تدريجياً، في حين يبقى الطلب على أصحاب الخبرة القادرين على التدريب والإشراف، لأن كل برنامج من هذا النوع يحتاج مشرفين يحملون رخصاً وخبرة طويلة. أي أن الوافد الذكي ينتقل من موقع “المنفذ” إلى موقع “المدرب والمشرف”.

دروس عملية للمهندس

  1. في القطاعات المنظمة، الرخصة أهم من الدرجة. إذا كنت تفكر في الطيران أو الطاقة النووية أو السكك الحديدية، فاسأل أولاً: ما الرخصة التي تمنح حق التوقيع في هذا القطاع؟ ثم خطط دراستك وخبرتك نحوها.
  2. ابحث عن برامج “ادرس واعمل”. في الخليج برامج تدفع للطالب راتباً وهو يدرس، وتختصر عليه سنوات للوصول إلى الرخصة. وقبولها صعب، فنسبة القبول في “الجير” نحو الثلث من المقابلة النهائية، فاستعد لها كما تستعد لوظيفة.
  3. وثّق ساعات الخبرة بدقة. في أنظمة الرخص، الخبرة غير الموثقة كأنها لم تحدث. احتفظ بسجل منظم لكل مهمة صيانة أو فحص شاركت فيه وتوقيع المشرف عليها.
  4. إن كنت وافداً، استثمر في مهارة التدريب. البرامج الوطنية تحتاج مهندسين ذوي خبرة يشرفون على المتدربين. شهادات المدرب والمقيّم في مجالك قد تكون أفضل ضمان لاستمرارك.
  5. راقب قوائم التوطين قبل أن تختار. قبل التقدم لوظيفة في السعودية أو غيرها، تحقق من أن مسماك الوظيفي ليس ضمن مهن مستهدفة بنسب توطين مرتفعة، أو تأكد أن خبرتك تضعك في الشريحة التي ستبقى مطلوبة.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *