انهيار عقار حدائق القبة: المباني القديمة لا تسقط فجأة، بل نحن من نتوقف عن النظر إليها
ماذا حدث؟
فجر الأربعاء 14 أكتوبر 2026 انهار عقار سكني في شارع الخليج بحي حدائق القبة شرق القاهرة. وبحسب بيان محافظة القاهرة، كان المبنى قديماً يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، ويتكون من دور أرضي وأربعة طوابق علوية، ويقوم على نظام الحوائط الحاملة.
أسفر الانهيار عن وفاة ستة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال أصغرهم في الثانية والنصف من عمره، وإصابة سبعة آخرين نقلوا إلى مستشفى الزيتون. واستمر البحث تحت الأنقاض ساعات طويلة. وأخلت السلطات المباني المجاورة احتياطياً، وقطعت عنها الغاز والكهرباء والمياه، وبدأت تركيب دعامات حديدية مؤقتة لها. وأمرت النيابة العامة بتشكيل لجنة هندسية لتحديد سبب الانهيار، ومراجعة سجلات المبنى، والتحقق مما إذا كانت قد صدرت بحقه قرارات ترميم أو إزالة سابقة ولم تنفذ.
وقبل الحادث بأيام، صباح الخميس 8 أكتوبر، انهارت الطوابق الثلاثة السفلى من مبنى من سبعة طوابق بني عام 1987 في حي مالتبه بإسطنبول، فقتل خمسة أشخاص وأنقذ عشرة. وأخذ المحققون عينات من أعمدة كل الطوابق، واحتجزت السلطات مهندس المبنى المعماري ومدير موقع البناء، وتفحص ما إذا كانت هناك طوابق مخالفة أضيفت دون ترخيص.
أرقام تستحق التوقف
- 6 وفيات و7 مصابين في عقار حدائق القبة.
- نحو 70 عاماً عمر المبنى تقريباً، وهو أقدم من معظم المعايير الهندسية المصرية الحديثة.
- 5000 عقار في القاهرة وحدها مصنفة خطرة أو تحتاج إلى ترميم أو إزالة جزئية، بحسب ما قاله محافظ القاهرة إبراهيم صابر لجريدة الدستور في يوليو 2025، وكثير منها يعود إلى الأربعينيات والخمسينيات.
- انهيار سابق في الحي نفسه: نقلت جلف نيوز في أغسطس 2026 انهيار مبنى قديم آخر في حدائق القبة أودى بحياة أربعة أشخاص، وقالت المعاينة الأولية إنه سقط “دون سابق إنذار”.
كيف ينهار مبنى بحوائط حاملة؟
في المبنى الهيكلي الحديث تحمل الأعمدة والكمرات الخرسانية الأحمال، وتكون الجدران مجرد قواطع. أما في نظام الحوائط الحاملة فالجدار نفسه هو العنصر الإنشائي: كل جدار من الطوب أو الحجر ينقل وزن الطوابق فوقه إلى الأساس.
هذا النظام متين إذا بقي كما صمم، لكن له نقاط ضعف معروفة:
- الرطوبة: تسرب مياه الصرف أو الشرب إلى الأساسات والجدران السفلية يضعف المونة ويذيب الأملاح فيها مع الوقت، فتفقد الجدران قدرتها على التحمل تدريجياً.
- فتح الجدران: كثيراً ما يحول الدور الأرضي إلى محال، فتزال أجزاء من الجدران الحاملة لفتح واجهات واسعة. كل متر يزال يعني أن الحمل يتركز على ما تبقى.
- الأحمال الإضافية: إضافة طابق أو غرف على السطح تزيد الحمل على جدران لم تصمم له.
- غياب المطيلية: الجدار الحامل ينهار عادة انهياراً قصفاً، أي دون تشوهات كبيرة تحذر السكان مسبقاً. ولهذا تتكرر عبارة “انهار دون سابق إنذار”.
لا نعرف بعد السبب الفعلي في حدائق القبة، والحكم فيه للجنة الهندسية. لكن هذه الآليات الأربع هي ما سيبحث عنه أي مهندس فاحص.
رأي: المشكلة ليست في عمر المبنى، بل في أننا لا نفحصه
أي مبنى يعيش 70 عاماً ليس فاشلاً هندسياً. المباني الحجرية في وسط القاهرة وإسطنبول وروما عاشت قروناً. المبنى يموت حين يتوقف الجميع عن رعايته: المالك لأن الإيجار القديم لا يغطي الصيانة، والساكن لأنه لا يملك المبنى، والجهة المحلية لأنها لا تملك الموارد لفحص آلاف العقارات.
وحين يصدر قرار ترميم أو إزالة، يتحول إلى ورقة في ملف. فالإزالة تعني تهجير أسر لا تجد بديلاً، والترميم يحتاج إلى تمويل لا يملكه أحد. النتيجة أن القرار يبقى معلقاً حتى يتخذ المبنى القرار بنفسه.
رأيي أن الحل الهندسي واضح، والمشكلة في التنظيم والتمويل:
أولاً: فحص دوري إلزامي بجدول زمني. مدن كثيرة في العالم تلزم المباني التي تتجاوز عمراً أو ارتفاعاً معيناً بفحص إنشائي دوري يوقعه مهندس مرخص، ويودع تقريره لدى الجهة المحلية. مبنى عمره 70 عاماً ينبغي أن يكون له “ملف صحي” محدث، لا أن نكتشف حالته من الأنقاض.
ثانياً: ترتيب الأولويات بالمخاطر لا بالشكاوى. 5000 عقار خطر في القاهرة رقم كبير، لكن ليس كل هذه المباني بالدرجة نفسها من الخطورة. تصنيف بسيط يجمع العمر ونظام الإنشاء وعدد السكان وتاريخ التعديلات يكشف أي المباني يجب أن تفحص هذا الشهر، وأيها يحتمل الانتظار.
ثالثاً: المسؤولية القانونية لمن يعدل المبنى. حادثة إسطنبول تذكير بأن العدالة تبحث عن المهندس ومدير الموقع. لكن في كثير من حالات المباني القديمة، من فتح الجدار الحامل أو أضاف الطابق لم يكن مهندساً أصلاً. التعديلات الإنشائية دون رخصة يجب أن تعامل بالجدية نفسها التي يعامل بها البناء المخالف الجديد.
رابعاً: التدعيم أرخص من الإزالة. قمصان خرسانية للجدران، وشبكات ألياف كربونية، وحقن المونة، وعزل الأساسات عن الرطوبة، كلها تقنيات معروفة ومجربة، وتكلفتها أقل من بناء مسكن بديل. ما ينقص هو آلية تمويل تجعل التدعيم الخيار الأول لا الأخير.
دروس عملية للمهندس
- عند معاينة مبنى قديم ابدأ من الأسفل. الأساسات والدور الأرضي والصرف هي أهم ما يجب فحصه. شروخ مائلة قرب الفتحات، أو انتفاخ في الجدار، أو تآكل المونة، علامات لا تحتمل التأجيل.
- اسأل عن تاريخ التعديلات. هل فتحت واجهات محال؟ هل أضيف طابق؟ المخططات الأصلية قد لا تكون موجودة، فاعتمد على المعاينة وسؤال السكان.
- وثق كل شيء كتابياً. المهندس الذي يحذر شفهياً يتحمل جزءاً من المسؤولية الأخلاقية إذا وقع الانهيار. تقرير مكتوب بتاريخ واضح يحمي السكان ويحميك.
- تخصص في التقييم والتدعيم. العالم العربي مليء بمبان عمرها بين 50 و80 عاماً، والطلب على مهندسي تقييم المباني القائمة وتدعيمها سيستمر عقوداً. هذا تخصص يجمع الخبرة الفنية والأثر الإنساني المباشر.
المصادر
- Gulf News، “Six Dead, Including Three Children, in Cairo Building Collapse” (14 أكتوبر 2026)
- الأهرام أونلاين، “Six dead, seven injured in Cairo building collapse” (14 أكتوبر 2026)
- بوابة الأهرام، “مصرع 6 أشخاص وإصابة 7 آخرين في انهيار عقار حدائق القبة.. بالأسماء” (14 أكتوبر 2026)
- صدى البلد، “قرارات عاجلة من النيابة العامة في حادث انهيار عقار حدائق القبة” (أكتوبر 2026)
- Türkiye Today، “Death toll hits 5 after Istanbul building collapse as rescue operations end” (9 أكتوبر 2026)
- Daily Sabah، “2 dead after 7-story building partially collapses in Istanbul” (أكتوبر 2026)
- الدستور، “محافظ القاهرة يكشف الخطة الكاملة للتعامل مع 5000 عقار آيل للسقوط” (3 يوليو 2025)
- Gulf News، “Four Killed, Five Injured as Rescue Teams Search Rubble in Hadayek Al Qubba” (أغسطس 2026)
