مشروعات

ميناء العامرية الجاف: كيف يخفف 146 ألف متر مربع في الصحراء الضغط عن موانئ الإسكندرية؟

ما الذي حدث؟

افتتح المهندس كامل الوزير، وزير النقل، ميناء العامرية الجاف بمحافظة الإسكندرية، بحسب ما نشرته بوابة الأهرام وموقع ترانس توداي في 14 أكتوبر 2026، بحضور اللواء مجدي أنور مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والدكتورة أميرة ياسين نائب محافظ الإسكندرية، والمهندس سيد متولي رئيس الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة.

أقيم المشروع لصالح الشركة الوطنية للتبريدات والتوريدات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، على مساحة 146 ألف متر مربع، باستثمارات تبلغ 700 مليون جنيه. وهو الميناء الجاف الثاني الذي يعمل في مصر بعد ميناء 6 أكتوبر الجاف، والأول من نوعه في الإسكندرية. وبحسب انباء النقل البحري العربية وEnterpriseAM، تتولى شركة سيفتي لينك إدارته وتشغيله لمدة 25 عاماً.

وقال الوزير إن الميناء يخفف التكدس والضغط على الموانئ البحرية والطرق، ويقلل زمن الانتظار وتكلفة النقل، وإن الوزارة أنهت التعديلات التشريعية المنظمة للموانئ الجافة والمناطق اللوجستية لجذب المستثمرين.

المشروع بالأرقام

  • المساحة: 146 ألف متر مربع على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي.
  • الاستثمارات: نحو 700 مليون جنيه.
  • ساحة الحاويات: 75 ألف متر مربع، بسعة تقارب 3,100 حاوية 40 قدماً.
  • التبريد: محطة حاويات مبردة بـ826 نقطة توصيل، ومخازن تبريد بسعة 10 آلاف طن.
  • خدمات أخرى: ميزان معتمد بحمولة 100 طن، ومنطقة انتظار لـ38 شاحنة، وربط بمنظومة “نافذة” الجمركية من اليوم الأول.
  • المسافات: 22 كم من ميناء الإسكندرية، و18 كم من الدخيلة، و16 كم من مطار ومدينة برج العرب.
  • الهدف المعلن: خفض تكلفة نقل البضائع بنسبة 15% إلى 20%.
  • السياق: حاويات ميناءي الإسكندرية والدخيلة ارتفعت 14% في العام المالي 2025/2026 إلى 2.59 مليون حاوية مكافئة، وحاويات الترانزيت قفزت 74% إلى 553.4 ألف حاوية مكافئة.
  • الخطة القومية: 33 ميناءً جافاً ومنطقة لوجستية، منها العاشر من رمضان (منتصف 2027)، وقنطرة شرق، ودراسات لموانئ السادات وبرج العرب.

ما هو الميناء الجاف؟ شرح مبسط

تخيل الميناء البحري كمطبخ صغير في مطعم مزدحم. الأرصفة هي المكان الوحيد الذي تستطيع السفن الوقوف عنده، وهي باهظة الثمن ولا يمكن توسيعها بسهولة. المشكلة أن جزءاً كبيراً من مساحة الميناء لا يُستخدم في تحميل السفن وتفريغها، بل في تخزين الحاويات وهي تنتظر التخليص الجمركي والفحص وحضور الشاحنة التي ستنقلها.

الميناء الجاف ينقل هذه المرحلة البطيئة إلى الداخل. تُفرغ الحاوية من السفينة، وتنقل مباشرة إلى الميناء الجاف بنظام “الترانزيت الجمركي”، وهناك تُخلص وتُفحص وتُخزن وتُسلم لصاحبها. والنتيجة:

  1. ساحة الميناء البحري تتحرر. كل حاوية تغادر بسرعة تفسح مكاناً لحاوية جديدة.
  2. الشاحنات لا تدخل المدينة. أصحاب البضائع يستلمون من الميناء الجاف على الطريق الصحراوي بدل الدخول إلى زحام الإسكندرية.
  3. الخدمات تتجمع. جمارك ومخازن وتبريد وبنك في مكان واحد، فيقل زمن الإجراءات.

ولهذا فإن المقياس الحقيقي لنجاح أي ميناء جاف ليس مساحته، بل زمن بقاء الحاوية (Dwell Time) في الميناء البحري قبل المشروع وبعده.

رأي: التوقيت ذكي، لكن الحلقة الناقصة هي القطار

أرى أن أهم ما في هذا الخبر ليس الميناء الجاف نفسه، بل تزامنه مع قفزة الترانزيت. حاويات الترانزيت زادت 74% في عام واحد. وهذه الحاويات تحديداً تبقى داخل الميناء البحري لأنها تنتقل من سفينة إلى أخرى، ولا يمكن نقلها إلى ميناء جاف. فإذا أردت أن تفسح لها مكاناً في الإسكندرية والدخيلة، فالحل أن تُخرج حاويات السوق المحلي من الساحات بأسرع ما يمكن. هنا يصبح ميناء العامرية الجاف أداة لتحويل الإسكندرية تدريجياً إلى ميناء ترانزيت أكثر جاذبية، وهذا مصدر دخل بالعملة الصعبة.

لكن هناك حلقة ناقصة واضحة: الربط بالسكك الحديدية. المصادر تتحدث عن أن الميناء “قريب” من الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع ومن شبكة السكك الحديدية التقليدية، وعن “تكامل مخطط” مع الشبكة القومية. لكن على مسافة 18 إلى 22 كيلومتراً فقط، إن ظلت كل الحاويات تنتقل بالشاحنات، فإن المشروع ينقل الزحام من بوابة الميناء إلى الطريق بين الميناء والعامرية، ولا يلغيه.

الموانئ الجافة الناجحة في العالم تعمل غالباً بقطارات مكوكية منتظمة بين الميناء البحري والداخلي، تنقل عشرات الحاويات في الرحلة الواحدة. وبدون ذلك، يبقى هدف خفض التكلفة 15% إلى 20% طموحاً يحتاج إلى إثبات.

ونقطة ثالثة: الاستثمار نحو 700 مليون جنيه، وهو مبلغ صغير نسبياً مقارنة بتكلفة توسيع أرصفة بحرية. هذا هو النوع الصحيح من المشروعات: إنفاق محدود يرفع كفاءة أصول ضخمة قائمة. والاختبار الحقيقي سيأتي بعد عام، حين تُنشر أرقام زمن بقاء الحاويات في الإسكندرية والدخيلة.

دروس عملية للمهندس

  1. اللوجستيات تخصص هندسي. تصميم ساحات الحاويات وحساب حركة الشاحنات وأزمنة الانتظار يحتاج مهندسين يفهمون بحوث العمليات والمحاكاة، لا مجرد مدنيين أو معماريين.
  2. سلسلة التبريد فرصة. 826 نقطة توصيل للحاويات المبردة و10 آلاف طن تخزين بارد تعني طلباً على مهندسي التبريد والكهرباء وصيانة المعدات، خاصة مع نمو الصادرات الزراعية.
  3. الرقمنة جزء من البنية التحتية. الربط بمنظومة “نافذة” من اليوم الأول قد يوفر أياماً أكثر مما توفره أي معدة. مهندس النظم الذي يفهم الإجراءات الجمركية قيمة مضافة كبيرة.
  4. تابع الخطة القومية. 33 ميناءً جافاً ومنطقة لوجستية تعني مشروعات تصميم وتنفيذ وتشغيل لسنوات، خاصة مع تشجيع الوزارة للشراكة مع القطاع الخاص.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *