شهادة “مهندس ممارس” في مصر: هل يكفي كارنيه النقابة بعد اليوم؟
ما الذي حدث؟
في جلسته يوم السبت 3 أكتوبر 2026، وافق المجلس الأعلى لنقابة المهندسين المصرية على تشكيل لجنة لإعداد خطة تفصيلية لمنظومة “المهندس الممارس” والتطوير المهني. وبحسب ما نشره موقع مصراوي في 4 أكتوبر، تشمل الخطة التدريب والاختبارات والاعتماد والترقي، ويرأس اللجنة نائب النقيب ورئيس لجنة تنظيم المزاولة، بعضوية رؤساء الشعب الهندسية. وشدد المجلس على أن المنظومة اختيارية، وأنها لن تكون إلزامية في المرحلة الأولى، على أن تُعرض الخطة على هيئة المكتب ثم على المجلس الأعلى.
وفي الجلسة نفسها اعتمد المجلس محضر لجنة تقييم العروض المقدمة لإعداد دراسة وطنية لسوق العمل الهندسي، وهي خطوة لم تُنشر تفاصيلها بعد، لكنها تكشف أن النقابة تحاول بناء قراراتها على بيانات لا على انطباعات.
هذا القرار ليس بداية القصة. ففي 25 أغسطس أطلقت النقابة “الإطار المصري للتأهيل والتقييم المهني للمهندسين” تحت شعار “بداية الطريق إلى الاحتراف المهني”، وأعلنت لقب “مهندس ممارس معتمد” (CPE). ثم أعلنت عدة شعب هندسية رفضها للمشروع في سبتمبر، فجاء قرار أكتوبر ليعيد ترتيب المسار: لجنة موسعة تضم الشعب نفسها، وطابع اختياري واضح.
المنظومة بالأرقام والوقائع
- السلم المهني: ثلاث درجات، تبدأ بـ”مهندس ممارس” ثم “متخصص” (أو أخصائي) ثم “استشاري”.
- شروط الحصول على اللقب: وفق ما نشرته جريدة الوطن، لا تكفي الخبرة وحدها، ولا التدريب وحده، ولا اجتياز الاختبار وحده. المطلوب استيفاء الشروط كلها معاً.
- المرجعية: تقول النقابة إن الإطار استفاد من نماذج المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وألمانيا وسنغافورة والسعودية والإمارات، مع مواءمتها للقانون المصري.
- حجم المهنة: بحسب ما نقله موقع القاهرة 24 في يوليو، قيدت النقابة نحو 394 ألف مهندس خلال السنوات العشر الأخيرة.
- النقاش الداخلي: قال النقيب محمد عبد الغني إن المشروع نوقش في خمس جلسات لمجلس النقابة وعُرض على الجمعية العمومية.
كيف يعمل الترخيص المهني القائم على الكفاءة؟ شرح مبسط
في مصر اليوم، يكفي أن تتخرج في كلية هندسة معترف بها لتُقيد في النقابة وتحصل على الكارنيه. أي أن الشهادة الجامعية هي البوابة الوحيدة تقريباً. أما في معظم الأنظمة التي استشهدت بها النقابة، فالبوابة لها ثلاثة أقفال: تعليم معتمد، ثم خبرة عملية موثقة تحت إشراف، ثم اختبار كفاءة.
المثال الأشهر هو نظام المهندس المحترف (PE) في الولايات المتحدة. فبحسب المجلس الوطني لاختبارات الهندسة والمساحة (NCEES)، يُعد اختبار PE للمهندسين الذين قضوا أربع سنوات على الأقل في العمل بعد التخرج في تخصصهم، ويقدم المجلس أكثر من 20 اختباراً لتخصصات مختلفة. الفكرة أن الاختبار لا يقيس ما تعلمته في الجامعة، بل ما إذا كنت قادراً على اتخاذ قرار هندسي آمن بمفردك.
المنطق الهندسي هنا يشبه منطق ضبط الجودة في المصنع: حين يزيد حجم الإنتاج بسرعة ويتفاوت مستوى المدخلات، لا يكفي فحص المنتج عند الخروج من خط واحد، بل تحتاج نقاط فحص على طول المسار. وهذا بالضبط ما قاله النقيب حين برر المشروع بالزيادة السريعة في أعداد الخريجين، وتقليص ساعات التدريس، والفجوة بين الجامعة وسوق العمل، وضعف القدرة التنافسية في الخارج.
لماذا اعترضت الشعب؟
بحسب صدى البلد، تركز اعتراض الشعب على خوفها من انتقال صلاحياتها المهنية إلى كيان جديد. وأشارت شعبة الهندسة المدنية إلى أن لائحة المزاولة الصادرة حديثاً تحدد بالفعل مساراً من “مهندس ممارس” إلى “استشاري” تحت إشراف الشعب. ورد النقيب بأن الشعب ستحتفظ بسلطتها الفنية وبمسؤولية قيد المهندسين في الدرجات المهنية، وأن الكيان الجديد سيكون جهة تنظيم ورقابة على الجودة وليس جهة تدريب، وقد يتعاقد مع الجامعات ومراكز التدريب المعتمدة. ومن الأسماء المطروحة له “مجلس هندسي مصري”.
رأي: “اختيارية” على الورق، إلزامية في السوق
أعتقد أن المشروع في جوهره صحيح ومتأخر. مهنة تضيف عشرات الآلاف من المهندسين كل عام لا يمكن أن تبقى بوابتها الوحيدة هي شهادة التخرج. والدول التي تجتذب المهندس المصري للعمل، مثل السعودية والإمارات، تطبق بالفعل أنظمة اعتماد مهني، فوجود إطار مصري مماثل يقرّب المهندس المصري من لغة هذه الأسواق.
لكن كلمة “اختيارية” تحتاج قراءة واقعية. فالمنتقدون أنفسهم، كما نقلت صدى البلد، يتساءلون إن كانت الشهادة ستصبح إلزامية بحكم الأمر الواقع إذا فضّل أصحاب العمل المهندسين الحاصلين عليها. وأظن أن هذا ما سيحدث فعلاً: في سوق فيه بطالة مرتفعة بين المهندسين، سيبحث صاحب العمل عن أي إشارة موثوقة تميز مرشحاً عن آخر، وستكون هذه الشهادة إشارة مثالية.
لذلك فالخطر الحقيقي ليس في المنظومة ذاتها، بل في ثلاثة تفاصيل لم تُحسم بعد: تكلفة الحصول على الشهادة، ونزاهة الاختبار، وسرعة الإجراءات. إذا كانت مرتفعة التكلفة أو بطيئة، ستتحول إلى حاجز جديد أمام الخريج الفقير بدل أن تكون جسراً له. وإذا كانت سهلة الشراء، ستفقد قيمتها خلال عامين. ولهذا أرى أن الدراسة الوطنية لسوق العمل الهندسي التي اعتمدت النقابة عروضها يجب أن تُنشر نتائجها كاملة، لأنها الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه شروط الشهادة.
دروس عملية للمهندس
- ابدأ ملف خبرتك من اليوم. أي نظام اعتماد يعتمد على “خبرة موثقة”. احتفظ بسجل شهري لما عملت عليه: المشروع، ودورك، والقرارات الفنية التي شاركت فيها، واسم المهندس المشرف. هذا السجل سيكون أثمن ما تملك عند التقديم، في مصر أو في الخليج.
- لا تنتظر الإلزام. الشهادة اختيارية في المرحلة الأولى، وهذا بالضبط وقت التقدم لها، قبل الزحام وقبل أن تتشدد الشروط مع الوقت.
- اختر تخصصاً دقيقاً داخل تخصصك. درجة “متخصص” في السلم الجديد تعني أن العمومية لن تكفي للترقي. حدد مجالاً تريد أن تُعرف به، مثل تصميم المنشآت الخرسانية أو أنظمة الحماية الكهربائية أو التبريد والتكييف.
- فكّر بالمعادلة الإقليمية. إذا كنت تخطط للعمل في السعودية أو الإمارات، فالاختبارات والاعتماد هناك تسير بالمنطق نفسه. التحضير لأحدهما تحضير للآخر.
- تابع تفاصيل اللائحة لا العناوين. حين تصدر خطة اللجنة، اقرأ بند الرسوم وبند احتساب الخبرة وبند الاعتراف بالشهادات الدولية. هذه البنود هي التي ستحدد إن كانت المنظومة فرصة لك أم عبئاً عليك.
المصادر
- مصراوي، “قرارات مجلس نقابة المهندسين.. شروط القيد وصرف المعاشات” (4 أكتوبر 2026)
- جريدة الملايين، “قرارات حاسمة لـ«المهندسين»: رفض قيد خريجي أدبي وصرف معاشات موقوفة وطرح 143 شقة بأكتوبر” (4 أكتوبر 2026)
- صدى البلد، “أكاديمية المهندس الممارس تشعل الصراع داخل المهندسين.. والنقيب: ما يحدث انقلاب” (6 سبتمبر 2026)
- الوطن، “نقابة المهندسين تطلق منظومة «المهندس الممارس» لتطوير الكفاءات” (23 أغسطس 2026)
- القاهرة 24، “نقابة المهندسين تطلق شهادة «مهندس ممارس» وتعلن شراكات دولية لتأهيل المهندسين لسوق العمل” (13 يوليو 2026)
- NCEES، صفحة اختبار PE (بدون تاريخ)
