مسار المهندس

“تسونامي بطيء”: الذكاء الاصطناعي يهدد الدرجة الأولى في سلم المهندس، فكيف تصعد إليها؟

ما الذي حدث؟

في جلسة نقاش يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، قالت مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا إن الذكاء الاصطناعي يضرب سوق العمل العالمي مثل “تسونامي بطيء الحركة”، وإن الشباب حديثي التخرج هم الأكثر عرضة له. وأوضحت أن الوظائف الروتينية المتكررة كانت تقليدياً المدخل الذي يبدأ منه الشباب حياتهم المهنية، وأن هذا المدخل هو المهدد الآن.

وفي الجلسة نفسها، دعا رئيس سنغافورة ثارمان شانموجاراتنام، الرئيس المشارك لمجلس الوظائف في البنك الدولي، الحكومات إلى تحويل إجراءات دعم التوظيف التي استُخدمت في الجائحة والأزمة المالية إلى سياسة هيكلية دائمة. وقال إن “الدرجة الأولى في التوظيف، أي وظيفتك الأولى بعد التخرج، تشهد طلباً أقل الآن”.

وفي اليوم السابق، 11 أكتوبر، عقد معهد التخطيط القومي في مصر جلسة بعنوان “مستقبل الوظائف: قراءة تحليلية في التقارير الدولية والإقليمية”، ناقش فيها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي وتقريراً مشتركاً للإسكوا ومنظمة العمل العربية عن الذكاء الاصطناعي وآفاق التشغيل في المنطقة العربية.

الأرقام

  • 40%: نسبة الوظائف في العالم التي تقدّر جورجيفا أنها ستُعزَّز أو تُخفَّض قيمتها أو تُلغى بفعل الذكاء الاصطناعي.
  • 60% مقابل 23%: نسبة التعرض للذكاء الاصطناعي في الاقتصادات المتقدمة مقابل الدول منخفضة الدخل.
  • 1.2 مليار: عدد الشباب الذين سيبلغون 18 عاماً خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، بحسب رئيس البنك الدولي أجاي بانجا، الذي قال إن القطاع الخاص يوفر بين 75% و85% من الوظائف في أي بلد.
  • “لأول مرة منذ قرن”: قال شانموجاراتنام إن الطلب على الخريجين في الولايات المتحدة تراجع لأول مرة منذ قرن، وإن علاوة الأجر التي تمنحها الشهادة الجامعية تتقلص.
  • 170 مليوناً مقابل 92 مليوناً: عدد الوظائف المتوقع استحداثها وفقدانها عالمياً حتى 2030 وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، بصافي زيادة نحو 78 مليون وظيفة، كما عُرض في معهد التخطيط القومي.
  • 49%: نسبة المهارات المتوقع أن تتغير في مصر بحلول 2030، وفق العرض نفسه.
  • 80%: نسبة مهندسي البرمجيات الذين قدّرت مؤسسة جارتنر في 2024 أنهم سيحتاجون إلى رفع مهاراتهم حتى 2027 بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي.

كيف يحدث الاستبدال؟ “مهمة بمهمة” لا “وظيفة بوظيفة”

أهم جملة قيلت في بانكوك، في رأيي، هي قول شانموجاراتنام إن إزاحة الوظائف ستأتي “مهمة بمهمة”، وإن هذا “يمنحنا وقتاً”.

لنفكك وظيفة مهندس موقع أو مهندس تصميم حديث التخرج إلى مهام. جزء كبير من سنته الأولى يذهب إلى أعمال مثل: تفريغ المخططات وحصر الكميات، وتجهيز جداول الحسابات المتكررة، وكتابة التقارير اليومية ومحاضر الاجتماعات، ومراجعة المواصفات مقابل عروض الموردين، وتعديل الرسومات وفق تعليقات المهندس الأقدم. هذه المهام بالضبط هي ما تجيده أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم: نصوص منظمة، وجداول، ومقارنة مستندات.

في المقابل، هناك مهام لا تزال بعيدة عن الأتمتة: الوقوف في الموقع واكتشاف أن ما نُفذ لا يطابق المخطط، والتفاوض مع مقاول الباطن، وتحمّل المسؤولية القانونية عن توقيع، والحكم على موقف لم يرد في أي كود.

المشكلة الهندسية الحقيقية هنا هي مشكلة “تدريب”، لا مشكلة “وظائف”. فالمهام الروتينية لم تكن مجرد عمل رخيص، بل كانت الطريقة التي يتعلم بها المبتدئ المهنة. المهندس الذي حصر كميات مئة مشروع يعرف بالحدس أن رقماً ما غير منطقي. إذا أخذ الذكاء الاصطناعي هذه المهام، يفقد المبتدئ الطريق الذي كان يصنع منه الحدس الهندسي.

رأي: الشركات ستحتاج المبتدئ أكثر، لكنها لن تدرك ذلك فوراً

أعتقد أن تحذير بانكوك صحيح في المدى القصير ومضلل إن قُرئ على أنه حكم نهائي. صحيح أن شركة تستطيع اليوم أن تنجز عمل ثلاثة مهندسين مبتدئين بمهندس واحد ومعه أدوات ذكية، وأن كثيراً من الشركات ستفعل ذلك لتوفير التكلفة. لكن بعد خمس سنوات ستكتشف هذه الشركات أنها لم تصنع مهندسين متوسطي الخبرة، ولن تجد من تُرقيه إلى مدير مشروع أو مهندس تصميم أول.

ولهذا أرى أن توصية شانموجاراتنام بتحفيز الشركات على توظيف الخريجين الجدد، وتحويل الجامعات نحو التدريب التطبيقي، مناسبة جداً لمنطقتنا تحديداً. ففي الخليج تُبنى مشروعات ضخمة تحتاج آلاف المهندسين، وفي مصر تخرج الجامعات أعداداً كبيرة كل عام. والمعادلة الرابحة ليست أن نحمي المهندس من الذكاء الاصطناعي، بل أن نعيد تصميم السنة الأولى في حياته المهنية: يُسند إليه الذكاء الاصطناعي الأعمال الروتينية، ويُسند إليه الموقع والمراجعة والمسؤولية مبكراً.

والملاحظة الثانية أن الأرقام العالمية لا تعني أن الضربة متساوية. فجورجيفا نفسها قالت إن التعرض في الدول المتقدمة يبلغ 60% مقابل 23% في الدول منخفضة الدخل. والمهندس العربي الذي يعمل في شركة استشارية دولية، أو يقدم خدمات عن بعد لعملاء في أوروبا وأمريكا، يقف في الصف الأول من هذه الموجة، لا في الصف الأخير.

دروس عملية للمهندس

  1. اجعل الأداة مساعدك لا منافسك. تعلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الحصر وكتابة التقارير ومقارنة المواصفات، وقدّم نفسك في المقابلة على أنك تنجز عمل ثلاثة أشخاص. هذا هو المهندس المبتدئ الذي ستوظفه الشركات.
  2. اطلب الموقع مبكراً. المهام التي يصعب أتمتتها هي التي تتطلب حضوراً جسدياً وحكماً ومسؤولية. سنة في الموقع اليوم أثمن من سنتين خلف شاشة.
  3. ابنِ الحدس عمداً. إذا أنجزت الأداة الحساب، أعد حساب جزء منه يدوياً، واسأل نفسك: هل الرقم منطقي؟ المهندس الذي يكتشف خطأ الأداة هو من سيُحتفظ به.
  4. وثّق مسؤوليتك لا مهامك. في سيرتك الذاتية، اكتب القرارات التي شاركت فيها والمشكلات التي اكتشفتها، لا قائمة البرامج التي تجيدها.
  5. استهدف الشركات التي تدرّب. عند المفاضلة بين عرضين، اسأل عن برنامج تطوير الخريجين ومن سيشرف عليك. الراتب الأعلى في شركة لا تدرّب قد يكون أغلى ثمن تدفعه في حياتك المهنية.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *