رأي

الماء الخفي لمراكز البيانات: لماذا نقيس الشيء الخطأ؟

ماذا حدث؟

نشرت بلومبرغ في 13 أكتوبر 2026 تقريراً للصحفيين تود وودي ومارك شيدياك، أعادت نشره مجلة Insurance Journal، خلاصته أن تقنيات التبريد الجديدة التي تقلل استهلاك المياه داخل مراكز البيانات في المناطق الجافة مثل أريزونا لا تعالج الجزء الأكبر من المشكلة. فمعظم المياه المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تستهلك بطريقة غير مباشرة، في محطات توليد الكهرباء.

وفي اليوم التالي، 14 أكتوبر، نشرت إذاعة WITF في ولاية بنسلفانيا نقاشاً مع أكاديميين حول الموضوع نفسه. وقال بنجامين هايز، مدير برنامج علوم وهندسة مستجمعات المياه، إنه “لا توجد جهة واحدة تراجع مشروع مركز البيانات” بصورة شاملة، ودعا إلى تقييم إقليمي يجمع الكهرباء والمياه والجفاف واستخدام الأراضي، بدلاً من مراجعة كل مشروع وحده.

الأرقام

  • 96% من استهلاك ميتا المائي في 2024، البالغ 21 مليار جالون، كان غير مباشر، و4% فقط استهلك في مواقعها. وارتفع الإجمالي نحو 120% مقارنة بعام 2021، بحسب تقرير الاستدامة الخاص بالشركة.
  • 14 مليار جالون سنوياً إضافية من المياه خارج الموقع قدرتها دراسة من جامعة ميشيغان لثلاثة مراكز بيانات كبيرة مخطط لها في الولاية.
  • من 211 مليار إلى 4 تريليونات جالون سنوياً: نطاق تقديرات الاستهلاك غير المباشر لمراكز البيانات الأمريكية، بين مختبر لورنس بيركلي الوطني (2024) وتحليل منظمة سيريز. الفرق بين الرقمين يقارب عشرين ضعفاً، وهذا وحده دليل على غياب منهجية متفق عليها.
  • 176 تيراواط ساعة استهلكتها مراكز البيانات الأمريكية في 2023، أي 4.4% من كهرباء الولايات المتحدة، ويتوقع مختبر بيركلي أن تصل إلى ما بين 6.7% و12% بحلول 2028.
  • أكثر من 2.5 ضعف: الاستهلاك المائي غير المباشر لأنظمة التبريد بالهواء مقارنة بأنظمة التبريد بالماء في منطقة فينيكس، وفق دراسة عام 2025 شاركت فيها كيري هيكنبوتوم من جامعة أريزونا.

شرح مبسط: من أين يأتي “الماء الخفي”؟

مركز البيانات يحول الكهرباء إلى حسابات، وكل كيلوواط ساعة يدخل الخوادم يخرج منها حرارة يجب التخلص منها. هنا يوجد خياران رئيسيان:

التبريد بالتبخير: أبراج تبريد يتبخر فيها جزء من الماء ويحمل الحرارة معه. هذا هو الاستهلاك “المباشر” الذي تظهر أرقامه في تقارير الشركات.

التبريد بالهواء أو بالسوائل في دائرة مغلقة: لا يتبخر فيه ماء تقريباً، لكنه يحتاج إلى مراوح وضواغط تستهلك كهرباء أكثر، خاصة في الصيف الحار.

ثم تأتي الحلقة التي ينساها الجميع: الكهرباء نفسها. محطات التوليد الحرارية، بالغاز أو الفحم أو الطاقة النووية، تبرد هي الأخرى بالماء، وكثير منها يبخر كميات كبيرة منه. لذلك فإن كل كيلوواط ساعة إضافي يستهلكه مركز البيانات يحمل معه “ماءً خفياً” في محطة قد تبعد مئات الكيلومترات.

النتيجة المدهشة: مركز بيانات يتحول إلى التبريد بالهواء ليظهر رقماً جميلاً للمياه في تقريره، قد يرفع الاستهلاك المائي الكلي إذا كانت كهرباؤه من محطات حرارية. وهذا ما تقوله دراسة فينيكس.

رأي: كفاءة المياه “داخل السور” مقياس مضلل

رأيي أن الصناعة تقيس الشيء الخطأ. فالشركات تتنافس على رقم “لتر لكل كيلوواط ساعة داخل الموقع”، بينما 96% من المشكلة، في حالة ميتا على الأقل، خارج الموقع. هذا يشبه أن تقيس استهلاك سيارة للوقود دون أن تحسب ما تحرقه مصفاة البنزين.

ولا أتهم الشركات بالخداع. فالاستهلاك المباشر هو ما تتحكم فيه وتستطيع قياسه بعداد. لكن حين تقول جوجل إن مشاريع الرياح والطاقة الشمسية “لها بصمة مائية صفرية فعلياً”، فهي تتحدث عن الكهرباء التي تشتريها على الورق، لا بالضرورة عن الكهرباء التي تتدفق فعلاً في الشبكة المحلية في ساعة الذروة الليلية. وحين يقول مسؤول في أمازون إن الصناعة تحتاج إلى “توافق على منهجية واحدة” لقياس الاستهلاك غير المباشر، فهو يعترف بأن الأداة غير موجودة بعد.

وهذا يقودني إلى الموقف الأهم: قرار السماح بمركز بيانات هو قرار تخطيط موارد، وليس قراراً عقارياً. المثال الأوضح جاء من ميشيغان، حيث أقرت هيئة مرافق إيبسيلانتي في أبريل 2026 وقفاً لمدة 12 شهراً لتزويد مراكز البيانات الكبيرة بالمياه والصرف، لأن مركزين كبيرين قد يستهلكان سعة الشبكة المتبقية ويحرمان مشاريع الإسكان منها. قد يبدو ذلك تشدداً، لكنه في الحقيقة اعتراف هندسي بسيط: السعة محدودة، ويجب أن توزع عن قصد.

ماذا يعني هذا للعالم العربي؟

دول عربية عدة تتنافس اليوم على استضافة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى الطاقة الرخيصة والأراضي الواسعة. لكن منطقتنا هي الأفقر مائياً في العالم، وكثير من مياه الشرب فيها يأتي من محطات تحلية تستهلك هي الأخرى طاقة.

في هذه البيئة، كل خيار تبريد هو مقايضة بين الماء والكهرباء، وكل مصدر كهرباء يحمل بصمة مائية مختلفة. ولذلك أقترح أن يشترط على أي مركز بيانات كبير يطلب ترخيصاً أن يقدم “ميزانية مائية كاملة” تشمل المياه المباشرة، والمياه المرتبطة بمصدر الكهرباء الفعلي على مدار الساعة، والمياه المحلاة إن وجدت. وأن تقرأ هذه الميزانية مع خطط الشبكة الكهربائية والمائية للمنطقة، لا منفصلة عنها.

دروس عملية للمهندس

  1. احسب البصمة كاملة. عند تصميم نظام تبريد لأي منشأة كبيرة، قارن الخيارات بمجموع الماء المباشر والماء المرتبط بالكهرباء الإضافية، لا بالماء المباشر وحده.
  2. اعرف مصدر الكهرباء ساعة بساعة. شهادات الطاقة المتجددة السنوية لا تخبرك ما الذي يغذي المنشأة في الثالثة فجراً. التحليل الساعي هو المقياس الأصدق.
  3. التبريد بالسوائل يفتح باباً لتقليل الماء المباشر بشكل كبير، ومايكروسوفت تتوقع أن يوفر 33 مليون جالون سنوياً لكل منشأة. هذه مهارة يستحق مهندسو الميكانيكا والتكييف تعلمها.
  4. فكر على مستوى الحوض المائي. كما قال هايز، المشاريع لا تقيم واحداً واحداً. المهندس الاستشاري الذي يقدم دراسة أثر تراكمية يقدم قيمة لا يقدمها غيره.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *