مركز EPIC من Applied Materials: صناعة الرقائق تهدم جدار التسليم بين المختبر والمصنع
ما الذي حدث؟
في 12 أكتوبر 2026 افتتحت شركة Applied Materials، أكبر مورد لمعدات تصنيع أشباه الموصلات في العالم، مركزاً جديداً للبحث والتطوير في سانيفيل بولاية كاليفورنيا يحمل اسم EPIC، وهو اختصار لعبارة “مركز ابتكار المعدات والعمليات وتسويقها”. المركز ليس مصنعاً للإنتاج، بل منشأة مشتركة يعمل فيها مهندسو الشركات المصنعة للرقائق جنباً إلى جنب مع فرق Applied لتطوير الجيل القادم من تقنيات التصنيع.
اللافت في الخبر قائمة الشركاء. فالشركاء المؤسسون هم TSMC وإنتل وسامسونج للإلكترونيات وSK hynix وMicron، أي أن المنافسين الكبار في صناعة المنطق والذاكرة يجلسون تحت سقف واحد. وينضم إليهم شركاء ابتكار هم Broadcom وAdvantest وSCREEN وKIOXIA وBesi، إلى جانب خمس جامعات أمريكية منها ستانفورد وبيركلي.
المشروع بالأرقام
- الاستثمار: يصل إلى نحو 5 مليارات دولار، وتقول الشركة إن الإنفاق “سيتصاعد مع الوقت” مع بدء مشاريع العملاء.
- المبنى: 600 ألف قدم مربع (نحو 55,700 متر مربع)، منها قرابة 4 أفدنة (1.6 هكتار) غرف نظيفة متقدمة.
- الإنشاء: أكثر من 6 ملايين ساعة عمل، وخرسانة أساسات تكفي لملء 34 حوض سباحة أولمبياً، وفولاذ يعادل برجي إيفل.
- السقف: 34 جملوناً يغطي الغرف النظيفة، طول كل منها قرابة 300 قدم (نحو 91 متراً) ووزنه يعادل 12 حافلة مدرسية.
- الأفق الزمني: يعمل المركز على تقنيات تسبق الإنتاج الحالي بثلاثة إلى أربعة أجيال، ويتوقع أن يستضيف أكثر من 25 مليار دولار من أعمال البحث والتطوير في عقده الأول بحسب Tech Times.
- الاستدامة: يعيد تدوير أو استخدام نحو 40% من مياهه، ويستخدم وحدة كهربائية بالكامل لمعالجة المركبات العضوية المتطايرة.
الشرح الهندسي: من “التتابع” إلى “التوازي”
لفهم أهمية المركز، يجب أن نفهم كيف كانت تقنية تصنيع جديدة تصل إلى خط الإنتاج تقليدياً. تصف Applied النموذج القديم بأنه يمر بثلاث بيئات منفصلة: بحث المواد، ثم تطوير المعدات والعمليات، ثم الدمج والإنتاج التجريبي لدى الشركة المصنعة للرقائق. عالم المواد يكتشف مادة، ثم يبني فريق المعدات أداة لترسيبها أو حفرها، ثم تختبرها مجموعة الدمج، ثم يتحقق منها خط تجريبي لدى العميل. وكل تسليم بين مرحلة وأخرى يستهلك وقتاً ويكشف مشكلات متأخرة.
وتشير تقارير إلى أن تجربة خطوة تصنيع جديدة كانت تعني أحياناً شحن رقائق السيليكون بين صانعي المعدات في أمريكا وأوروبا واليابان والمصانع في آسيا، ذهاباً وإياباً.
لماذا لم يعد هذا مقبولاً؟ لأن قواعد اللعبة تغيرت. لعقود كان تصغير الترانزستور كافياً لتحسين الأداء والاستهلاك والمساحة والتكلفة معاً. يقول رئيس TSMC سي سي وي إن الصناعة انتقلت من عقدة 350 نانومتر قبل 30 عاماً إلى 2 نانومتر اليوم، أي تصغير بمقدار 175 ضعفاً. لكن تحت هذا الحد لم يعد التصغير وحده يكفي، فاتجهت الصناعة إلى:
- التكديس ثلاثي الأبعاد: وضع طبقات من الرقائق فوق بعضها، كما في ذاكرة HBM التي تغذي معالجات الذكاء الاصطناعي.
- الربط الهجين (Hybrid Bonding): وصل رقاقتين مباشرة نحاساً بنحاس دون نتوءات لحام، بمسافات دقيقة جداً.
- الدمج غير المتجانس (Chiplets): تجميع شرائح صغيرة مصنوعة بتقنيات مختلفة داخل حزمة واحدة.
في هذه التقنيات، المادة والأداة وطريقة التغليف مترابطة بشدة. اختيار مادة عازلة معينة يغير متطلبات أداة الحفر، ويؤثر في سلوك الربط الهجين لاحقاً. إذا اكتُشف هذا الترابط في المرحلة الأخيرة من سلسلة متتابعة، يكون الإصلاح مكلفاً جداً. أما في EPIC فالمواد والعمليات والمعدات تُطور في الوقت نفسه، ومهندسو العميل حاضرون من البداية.
وطموح الشركاء واضح: يقول الرئيس التنفيذي لإنتل ليب-بو تان إن الشركة ترى طريقاً إلى أكثر من تريليون ترانزستور في حزمة واحدة بحلول 2030. وهذا رقم لا يتحقق بالتصغير وحده، بل بالتغليف المتقدم والتكديس.
رأي: الرقم الحقيقي ليس 5 مليارات، بل “زمن دورة التعلم”
لا ينبغي أن ينشغل القارئ برقم الخمسة مليارات. فكما نبهت Financial News، هذا سقف إنفاق متوقع وليس مالاً أُنفق فعلاً، والشركة لم تكشف كم سُحب منه حتى الآن. وكانت Applied قد أعلنت المشروع عام 2023 بخطة تصل إلى 4 مليارات دولار على سبع سنوات، وكانت Nvidia وAMD ضمن الشركاء الأوائل، بينما لا يظهر اسماهما في قائمة المؤسسين اليوم دون تفسير من الشركة.
ما يهم هندسياً هو أن صناعة الرقائق تعترف بأن عنق الزجاجة لم يعد في الفيزياء وحدها، بل في التنظيم. حين تكون كل دورة “جرّب، قِس، عدّل” تستغرق أسابيع من الشحن والانتظار بين قارات، فإن تقصيرها إلى أيام داخل مبنى واحد قد يكون أثمن من أي اختراق في مادة بعينها. هذا درس في هندسة النظم قبل أن يكون درساً في أشباه الموصلات.
لكن عندي تحفظان. الأول: وجود منافسين مباشرين مثل سامسونج وTSMC وإنتل في منشأة واحدة يطرح سؤال حماية الملكية الفكرية، ولم تشرح Applied علناً كيف تفصل بيانات كل شريك. والثاني: المركز يعزز موقع Applied نفسها، فهي سترى مشكلات عدة أجيال قادمة قبل الجميع وتوجه أبحاثها على أساسها. أي أن “التعاون المفتوح” هنا له مركز ثقل واضح.
ومع ذلك، أرى أن النموذج سيُقلَّد. ففي عصر التكديس والتغليف المتقدم، لن تنجح شركة واحدة في امتلاك كل الحلقات، ومن يسيطر على مكان التقاء الحلقات يسيطر على السرعة.
دروس عملية للمهندس
- التغليف المتقدم هو الميدان الجديد. إذا كنت طالب هندسة كهربائية أو مواد وتفكر في أشباه الموصلات، فإن الربط الهجين والتكديس ثلاثي الأبعاد والـChiplets مجالات تتسع بسرعة، وكثير منها يحتاج معرفة ميكانيكية وحرارية لا كهربائية فقط.
- هندسة المواد لم تعد تخصصاً جانبياً. الشركة التي تبيع المعدات تضع “هندسة المواد” في قلب خطابها. فهم كيمياء الأسطح والأغشية الرقيقة صار مهارة مطلوبة.
- قلل عدد التسليمات في مشروعك. في أي مشروع هندسي، كل تسليم بين فريقين نقطة ضياع للمعلومة. الهندسة المتزامنة (Concurrent Engineering) مبدأ قديم، لكن EPIC يذكرنا بقيمته حين ترتفع كلفة الخطأ المتأخر.
- الغرف النظيفة صناعة بحد ذاتها. تصميم الغرف النظيفة وأنظمة التكييف والمياه فائقة النقاء ومعالجة الغازات تخصصات إنشائية وميكانيكية مطلوبة في أي دولة عربية تفكر جدياً في دخول صناعة الرقائق.
المصادر
- Applied Materials، “Applied Materials Unveils $5 Billion EPIC Center in Silicon Valley to Accelerate Semiconductor Innovation for the AI Era” (12 أكتوبر 2026)
- Tech Times، “Applied Materials Opens $5B EPIC Center, Replacing Serial Chip R&D With Parallel Development” (14 أكتوبر 2026)
- Financial News، “Applied Materials Opens EPIC Center, But $5bn Figure Is Fuzzy” (13 أكتوبر 2026)
- Sammy Fans، “Samsung, SK Hynix and TSMC join Applied Materials’ $5 billion Semiconductor R&D hub” (12 أكتوبر 2026)
