الشامرأي

محطتان قطريتان بقدرة 1,650 ميجاوات للبنان: المال حُل، فمن يضمن أن تصل الكهرباء إلى العداد وأن يعود ثمنها؟

ماذا حدث؟

في 16 أكتوبر 2026 أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقاء رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في بيروت، أن قطر ستمول مشروعاً كهربائياً في لبنان وتنفذه وتشغله بنظام البناء والتشغيل ثم نقل الملكية (BOT)، دون استثمار مسبق من الخزينة اللبنانية، ووصفه بأنه “مشروع متكامل” يهدف إلى “تغذية كهربائية أكثر استقراراً وأقل كلفة”، بحسب L’Orient Today. ولم يذكر الإعلان حينها قدرات ولا مواقع ولا جدولاً زمنياً.

ثم نشرت Reuters في 19 أكتوبر تفاصيل وثيقة مؤرخة في أكتوبر 2026، أُعدت بمشاركة الحكومتين، بعنوان “البرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة”. والوثيقة مسودة تحتاج موافقة الحكومتين وقابلة للتعديل، وتقول إن مدة التنفيذ ثلاث سنوات إذا جاءت الموافقات سريعاً، وإن “التزامات الدفع والضمانات لا تزال قيد التفاوض”. ولم ترد وزارة الخارجية القطرية ولا وزير الطاقة اللبناني على طلبات التعليق.

الأرقام

بحسب الوثيقة كما نقلتها Reuters (عبر The Jerusalem Post وThe New Arab):

  • محطتان بالدورة المركبة تعملان بالغاز، 825 ميجاوات لكل منهما، في دير عمار شمالاً والزهراني جنوباً.
  • عقد غاز مسال لعشرين عاماً مع QatarEnergy، عبر وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز (FSRU) بسعة 3.5 مليون متر مكعب يومياً، إلى جانب خط الغاز العربي عبر سوريا بسعة 4.5 مليون متر مكعب يومياً.
  • 800 ميجاوات شمسية و440 ميجاوات رياح وسعة تخزين بالبطاريات.
  • استيراد كهرباء من سوريا يبدأ بـ300 ميجاوات عبر مسارين منفصلين.

وللمقارنة، من تقرير The National في 14 أكتوبر نقلاً عن المركز اللبناني لحفظ الطاقة وتقرير كهرباء لبنان:

  • لدى مؤسسة كهرباء لبنان نحو 3,000 ميجاوات قدرة اسمية، لكنها أنتجت في 2023 ما يعادل 13% فقط من حدها النظري، ومحطتان فقط من سبع محطات حرارية تعملان.
  • إنتاجها هبط من 15.4 إلى 3.37 تيراواط ساعة بين 2018 و2023.
  • نحو 40% من الكهرباء الداخلة إلى شبكتها تضيع فاقداً فنياً وتجارياً (سرقة وتوصيلات غير قانونية)، بحسب تقرير المؤسسة لعام 2024.
  • المولدات الخاصة وفرت نحو 50% من كهرباء لبنان في بداية 2026، والمؤسسة 31%، والطاقة الشمسية 19% من الإنتاج.

شرح مبسط: ما الذي تحله محطة الدورة المركبة، وما الذي لا تحله؟

محطة الدورة المركبة تحرق الغاز في توربين غازي، ثم تستخدم حرارة العادم لتوليد بخار يدير توربيناً ثانياً، فتستخرج من الوقود نفسه كهرباء أكثر بكثير من التوربين وحده. وهي على الغاز أنظف وأرخص تشغيلاً من محطات الفيول الثقيل ومولدات الديزل. ووضع المحطتين على الساحل في دير عمار والزهراني يقربهما من الوحدة العائمة ومن خط الغاز.

لكن المحطة تنتهي عند بوابتها. بعدها خطوط نقل ومحطات تحويل وشبكة توزيع وعدادات ونظام فوترة وتحصيل. وفي نموذج BOT يبيع المستثمر الكهرباء لمشترٍ واحد بعقد طويل، والمشتري هنا هو مؤسسة كهرباء لبنان. فإذا ضاع 40% مما تستلمه المؤسسة في الطريق أو لم يُدفع ثمنه، تبقى المؤسسة مدينة بثمن غاز وكهرباء لم تحصّل ثمنها، وهذا بالضبط ما راكم ديون القطاع لعقود.

رأي: المال ليس عنق الزجاجة، الضمانات هي القصة

أرى في العرض القطري نقطتين قويتين. الأولى أنه يزيل عائقاً حقيقياً: الدولة المفلسة لا تستطيع تمويل محطة، والمستثمرون كما قال وزير الطاقة جوزيف صدي في The National “يطلبون عدداً من الضمانات المالية”. والثانية أن مصادر الغاز متعددة: وحدة عائمة لا تعتمد على أي جار، وخط عبر سوريا. ومحطة غاز بلا مصدر بديل تصبح رهينة لأول انقطاع في الإمداد.

لكن الجملة الأهم في وثيقة Reuters ليست القدرات، بل أن “التزامات الدفع والضمانات لا تزال قيد التفاوض”. هذا هو قلب المشروع. فالمستثمر لن يبني دون ضمان أن يُدفع له، والضمان الحقيقي الوحيد هو مؤسسة كهرباء تحصل من مشتركيها ثمن ما تبيعه. ولبنان يملك اليوم قدرة اسمية تقارب حاجته اليومية، لكنه لا يشغل منها إلا جزءاً صغيراً، ويفقد نحو 40% مما يدخل شبكته. إضافة 1,650 ميجاوات إلى شبكة كهذه دون علاج الفاقد تعني أن ثمن الغاز القطري سيُدفع، وثلث الكهرباء أو أكثر لن يُحصّل.

ولذلك رأيي أن يُربط البرنامج من البداية بحزمة شبكة وتحصيل لها جدول موازٍ لجدول المحطات: عدادات ذكية في المناطق الأعلى فاقداً، وحملات على التوصيلات غير القانونية، وتعرفة تغطي الكلفة مع دعم موجه لمن يحتاج، وتقوية خطوط النقل من الساحل إلى مراكز الحمل. ثلاث سنوات تكفي لبناء محطة، لكنها لا تكفي لإصلاح شبكة إن بدأ إصلاحها يوم التشغيل.

وهناك سؤال هندسي آخر: الشمس صارت تنتج قرابة خمس كهرباء لبنان، معظمها ألواح على الأسطح ركبها الناس هرباً من الظلام. والمحطات الجديدة والشمسية الكبيرة والرياح والبطاريات يجب أن تُخطط مع هذه الطاقة الموزعة لا ضدها، لأن شبكة يتأرجح فيها الحمل الصافي بين الظهر والليل تحتاج تحكماً وتخزيناً ومرونة في التشغيل، لا ميجاوات إضافية فقط.

دروس عملية للمهندس

  1. اقرأ العقد قبل المخطط. في مشروعات BOT، بند الدفع والضمان يحدد نجاح المحطة أكثر من كفاءة التوربين.
  2. احسب الفاقد قبل القدرة. كل ميجاوات تضيع في الشبكة تعادل ميجاوات يجب توليدها وشراء وقودها.
  3. صمم لتعدد مصادر الوقود. الوحدة العائمة إلى جانب خط الأنابيب مثال جيد على الاحتياط في الإمداد.
  4. خطط مع الطاقة الموزعة القائمة. في دول يملك فيها الناس ألواحهم، الشبكة الجديدة يجب أن تبدأ من الواقع لا من صفحة بيضاء.

المصادر

مساحة إعلانية 728×90
برعاية
مهندس الأسبوع
👷
رشّح مهندس الأسبوع
نحتفي كل أسبوع بمهندس عربي

تعرف مهندساً أنجز مشروعاً يستحق أن يُروى؟ أرسل لنا صورته ونبذة عن مسيرته.

أرسل الترشيح
مساحة إعلانية