“لينغلونغ وان” يدخل الاختبارات الساخنة: أول مفاعل نووي صغير تجاري على اليابسة يقترب من التشغيل
ما الذي حدث؟
أفادت تقارير صينية، نقلتها World Nuclear News في 14 أكتوبر 2026 وقبلها NucNet في 7 أكتوبر، بأن مفاعل “لينغلونغ وان” الصغير المعياري، المعروف هندسياً باسم ACP100، دخل مرحلة الاختبارات الوظيفية الساخنة في موقع تشانغجيانغ بجزيرة هاينان جنوب الصين. والهدف المعلن هو تحميل الوقود النووي قبل نهاية العام، مع السعي إلى الربط بالشبكة ضمن أهداف 2026 أيضاً.
المفاعل من تطوير المؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية (CNNC)، وإذا سارت الأمور كما هو مخطط، فقد يصبح أول مفاعل صغير معياري تجاري يعمل على اليابسة في العالم. أما روسيا فتشغّل بالفعل مفاعلات صغيرة تجارية، لكنها على المحطة العائمة “أكاديميك لومونوسوف”.
المشروع بالأرقام
- القدرة: 125 ميجاوات كهربائية، مفاعل ماء مضغوط متكامل.
- الإنتاج المتوقع: نحو مليار كيلوواط ساعة سنوياً، تكفي بحسب CNNC نحو 526 ألف منزل.
- قلب المفاعل: 57 مجمع وقود، ومولدات بخار مدمجة داخل وعاء المفاعل.
- الاستخدامات: كهرباء، وتدفئة، وبخار صناعي، وتحلية مياه البحر.
- الخط الزمني: صب أول خرسانة في 13 يوليو 2021 بمدة إنشاء مخططة 58 شهراً؛ بدء تركيب المعدات في ديسمبر 2022؛ رفع قبة الاحتواء الخارجية في فبراير 2025؛ إنهاء الاختبارات الباردة في أكتوبر 2025؛ نجاح اختبار تشغيل التوربين غير النووي من المحاولة الأولى في 23 ديسمبر 2025.
- التصميم: بدأ تطويره عام 2010، واكتمل تصميمه الأولي عام 2014، وفي 2016 أصبح أول تصميم لمفاعل صغير يجتاز مراجعة السلامة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
حساب سريع يوضح طموح المشغل: مفاعل بقدرة 125 ميجاوات يعمل طوال ساعات السنة الـ8760 ينتج نحو 1.095 مليار كيلوواط ساعة. والرقم المعلن (مليار) يعني معامل قدرة يقارب 91%، وهو رقم معتاد للمحطات النووية الكبيرة، لكنه لم يُثبت بعد لمفاعل صغير تجاري.
ماذا تعني “الاختبارات الساخنة”؟
تمر أي محطة نووية جديدة بسلسلة اختبارات قبل أن يدخلها الوقود:
الاختبارات الباردة (اكتملت في أكتوبر 2025): يُضغط النظام الأولي بالماء بضغط أعلى من ضغط التشغيل للتأكد من إحكام اللحامات والوصلات والأنابيب، وتُنظف أنابيب الدوران الرئيسية. وكانت هذه أول مرة تعمل فيها أنظمة المفاعل مع الأنظمة المساعدة معاً.
الاختبارات الساخنة (الجارية الآن): يُرفع نظام تبريد المفاعل إلى درجات الحرارة والضغوط الفعلية للتشغيل، لكن دون وقود نووي. والهدف التحقق من دوائر التبريد وأنظمة السلامة، وأن معدات “الجزيرة النووية” و”الجزيرة التقليدية” تطابق متطلبات التصميم. في المحطات من هذا النوع تأتي الحرارة عادة من مضخات التبريد وسخانات المضغِّط، لا من انشطار نووي.
بعد ذلك يأتي تحميل الوقود، ثم الوصول إلى الحرجية الأولى، ثم رفع القدرة تدريجياً حتى الربط بالشبكة.
لماذا “متكامل”؟ الفكرة الهندسية الأساسية
في مفاعل الماء المضغوط التقليدي، يخرج الماء الساخن من وعاء المفاعل عبر أنابيب ضخمة إلى مولدات بخار منفصلة ثم يعود. هذه الأنابيب الكبيرة هي مصدر أخطر سيناريو يُصمم له المفاعل: انكسار أنبوب كبير وفقدان مياه التبريد بسرعة.
في التصميم المتكامل، توضع مولدات البخار داخل وعاء المفاعل نفسه. والنتيجة نظام أولي أصغر، وعدد أقل من الوصلات الكبيرة المعرضة للانكسار، واعتماد أكبر على أنظمة السلامة “السلبية” التي تعمل بالجاذبية والحمل الحراري الطبيعي دون حاجة إلى مضخات أو تدخل بشري. ويذكر المطور أن المفاعل مشتق من التصميم الأكبر ACP1000، ويمكن تركيبه تحت الأرض.
رأي: الرقم الذي يستحق المتابعة هو “58 شهراً”
يُسوَّق المفاعل الصغير عادة بحجة واحدة: بناء أسرع وأرخص لأن الوحدات تُصنع في المصانع. لكن “لينغلونغ وان” يقدم درساً واقعياً. فمدة الإنشاء المخططة كانت 58 شهراً من صب الخرسانة في يوليو 2021، أي حتى مايو 2026 تقريباً. وفي ديسمبر 2025 تحدث مسؤول في CNNC عن تشغيل تجاري في النصف الأول من 2026. اليوم نحن في أكتوبر 2026 والمفاعل لم يُحمّل بالوقود بعد.
هذا ليس فشلاً، بل هو الطبيعي في أول وحدة من نوعها، حتى في الصين التي تملك سلسلة توريد نووية ضخمة وموقعاً يضم بالفعل وحدتين عاملتين، إضافة إلى أول وحدة “هوالونغ وان” التي دخلت التشغيل التجاري الشهر الماضي. لكنه يذكرنا بأن ميزة المفاعل الصغير لا تظهر في الوحدة الأولى، بل في العاشرة والعشرين، حين تصبح خطوط الإنتاج والتراخيص والفرق المدربة جاهزة.
ولهذا أرى أن السؤال الصحيح لأي دولة عربية تفكر في المفاعلات الصغيرة ليس “ما أصغر مفاعل يمكن شراؤه؟” بل “من سيبني الوحدة العاشرة، وبأي سعر؟”. من يشتري الوحدة الأولى يدفع ثمن التعلم.
وفي المقابل، هناك نقطة تجعل هذا التصميم جذاباً للمنطقة تحديداً: استخدام تحلية مياه البحر مذكور صراحة ضمن تطبيقاته. ومفاعل بقدرة 125 ميجاوات أقرب إلى حجم شبكات معزولة أو مدن ساحلية متوسطة أو مجمعات صناعية، من مفاعل كبير بقدرة 1000 ميجاوات أو أكثر. للمقارنة، تبني مصر في الضبعة أربع وحدات كبيرة، ويُتوقع وصول الوقود في مايو 2027 وربط أول وحدتين بالشبكة في 2028. المساران مختلفان، ولكل منهما منطقه: الكبير لشبكة وطنية واسعة، والصغير لحمل محدد أو موقع بعيد.
دروس عملية للمهندس
- مراحل التشغيل الأولي (Commissioning) تخصص قائم بذاته. الاختبارات الباردة والساخنة واختبار التوربين غير النووي تحتاج مهندسين يفهمون الأنظمة مجتمعة. هذه خبرة مطلوبة في أي محطة كبيرة، نووية أو تقليدية.
- افهم السلامة السلبية. الحمل الحراري الطبيعي والتبريد بالجاذبية لم يعودا موضوعاً أكاديمياً، بل أصبحا أساس التصاميم الجديدة. مادة انتقال الحرارة وميكانيكا الموائع هنا تتحول إلى مهارة مهنية.
- احسب معامل القدرة دائماً. أي رقم “منازل” أو “كيلوواط ساعة سنوياً” يمكن تحويله إلى معامل قدرة بقسمة بسيطة. هذه العادة تكشف لك فوراً هل الرقم المعلن واقعي أم متفائل.
- تابع الوحدة الأولى بعين ناقدة. تأخر أشهر في مشروع أول من نوعه أمر متوقع، والمهم هو أداء السنة الأولى من التشغيل الفعلي. هذا ما سيحدد مصير المفاعلات الصغيرة عالمياً.
المصادر
- World Nuclear News، “Hot testing of Chinese SMR under way” (14 أكتوبر 2026)
- NucNet، “Hot Testing Begins At China’s Linglong-1 Small Modular Reactor” (7 أكتوبر 2026)
- World Nuclear News، “Chinese SMR completes non-nuclear steam start up test” (8 يناير 2026)
- Nuclear Engineering International، “China’s ACP100 completes cold tests” (21 أكتوبر 2025)
- EnterpriseAM، “Electricity Minister: Dabaa’s nuclear fuel to arrive in May 2027 via dedicated seaport” (11 أكتوبر 2026)
