تقنيات هندسية

إنترنت الخليج بين مضيقين: لماذا تسابق دول المنطقة لمدّ كابلات برية إلى أوروبا؟

ما الذي حدث؟

في 13 أكتوبر 2026 نشرت قناة الجزيرة تقريراً عن تحذير أطلقه المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي، قال فيه إن الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في المنطقة قد تُستهدف إذا تجددت الحرب مع الولايات المتحدة.

التحذير ليس نظرياً. ففي مارس الماضي أعلنت أمازون ويب سيرفسز (AWS) أن منشأتين لها في الإمارات “أُصيبتا مباشرة” بطائرات مسيّرة، وأن ضربة قرب منشأة في البحرين تسببت بأضرار مادية. وفي سبتمبر قالت الشركة إنها لم تتمكن من استعادة عدة مواقع في البحرين وموقع في الإمارات، وإنها “استنفدت كل الخيارات” لاستعادة بعض البيانات المستضافة في البحرين.

في الوقت نفسه تتحرك الشركات بسرعة. ففي 10 سبتمبر وقّع العراق عقداً مع “أوريدو” القطرية لنقل بيانات الخليج إلى أوروبا عبر كابل بري من الفاو إلى ربيعة قرب الحدود التركية. وفي 7 أكتوبر وقّعت ذراع أوريدو الدولية (OFN) اتفاقاً مع شركة “iQ Networks” العراقية لاستخدام أليافها لمد المسار نحو تركيا، على أن يخضع التنفيذ للموافقات الحكومية.

لماذا الإنترنت في المنطقة هش؟ شرح مبسط

الإنترنت ليس “سحابة” في السماء. أكثر من 95% من حركة البيانات بين القارات تمر عبر كابلات ألياف ضوئية ممدودة في قاع البحر، كل منها بسماكة خرطوم حديقة تقريباً. ومشكلة منطقتنا أن هذه الكابلات تتجمع في ممرات ضيقة:

  • باب المندب: عرضه نحو 26 كيلومتراً فقط في أضيق نقطة، ويمر عبره قرابة خُمس حركة الإنترنت العالمية. وتقدّر شركة TeleGeography أن أكثر من 90% من سعة البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر كابلات البحر الأحمر.
  • مضيق هرمز: الممر البحري لكابلات الخليج نفسه.

هذا التجمع يعني أن حادثاً واحداً قد يقطع عدة كابلات معاً. وهذا ما حدث فعلاً:

  • فبراير 2024: تضررت ثلاثة كابلات في البحر الأحمر، على الأرجح بسبب مرساة سفينة الشحن “روبيمار” التي جرّتها في القاع بعد أن عطّلها صاروخ حوثي. واستغرق الإصلاح عدة أشهر.
  • سبتمبر 2025: انقطع كابلان (SMW4 وIMEWE) قرب جدة، فتباطأ الإنترنت في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأبلغ مستخدمو “دو” و”اتصالات” في الإمارات عن بطء ملحوظ. وما زال السبب غير مؤكد.

والمشكلة الأكبر ليست القطع بل الإصلاح. فبحسب موقع Rest of World، لا يوجد في العالم كله سوى نحو 60 سفينة متخصصة في إصلاح الكابلات، ولا تستطيع أي منها العمل بأمان في المضيقين خلال الحرب.

ستة مشاريع للهروب من البحر

رصد موقع Rest of World في مارس 2026 ستة مشاريع مدعومة خليجياً لبناء مسارات بديلة:

المشروع الجهة المسار التفاصيل
SilkLink STC السعودية السعودية ← سوريا ← طرطوس 4500 كم، عقد بقيمة 800 مليون دولار
FiG + مسار بري أوريدو القطرية حلقة خليجية ← العراق ← تركيا كابل بحري بسعة 720 تيرابت/ث، و500 مليون دولار للمسار البري
SONIC أوريدو وSTC السعودية ← عُمان رابط بري، المرحلة الأولى خلال 12 شهراً
WorldLink تحالف خاص (إماراتي-عراقي) الإمارات ← الفاو ← كردستان ← تركيا 700 مليون دولار، خلال خمس سنوات
Horizon جيبوتي وإثيوبيا والسودان جيبوتي ← إثيوبيا ← السودان ممر بري يتجنب البحر الأحمر
Zain Omantel زين وعمانتل عُمان ← السعودية ← مصر ← المتوسط ممر بري

كما أعلنت مايكروسوفت في سبتمبر أنها ستستثمر أكثر من 400 مليون دولار في الربط البحري والبري في الشرق الأوسط حتى 2030.

رأي: الطرق البرية ضرورية، لكنها ليست الحل السحري

أولاً، التاريخ يدعو إلى الحذر. هذه ليست أول محاولة. كابل “JADI” البري الذي ربط جدة بإسطنبول عبر عمّان ودمشق انقطع بعد أشهر من تشغيله بسبب الحرب في سوريا، ولم يُصلح أبداً. ومسار “EPEG” من فرانكفورت إلى عُمان عبر إيران لم ينجح في تقليل اعتماد المنطقة على مصر. الكابل البري لا يمر في قاع بحر هادئ، بل عبر أراضٍ قد تكون أقل استقراراً من البحر نفسه.

ثانياً، المرونة تأتي من التنوع، لا من مسار واحد “آمن”. القاعدة الهندسية الذهبية في الشبكات هي “التنوع الجغرافي”: أن تمر البيانات في مسارات لا يجمعها خطر واحد. القيمة الحقيقية لمشاريع العراق وسوريا ليست في أنها آمنة، بل في أنها مختلفة عن البحر الأحمر. حين يتعطل مسار، يعمل الآخر.

ثالثاً، المنافسة قد تكون العائق الأكبر. كل دولة خليجية أطلقت مشروعها بشكل مستقل، وكل المسارات تقريباً تلتقي في تركيا. ويرى محللون نقلت عنهم Rest of World أن قواعد من يحق له شراء الألياف وتشغيلها وبأي سعر قد تكون أهم من الهندسة نفسها. لو تعاونت هذه الدول بدل أن تتسابق، لحصلت المنطقة على شبكة أقوى بتكلفة أقل.

رابعاً، مركز البيانات ليس مبنى فقط. كما قال الباحث أندرياس كريغ من كينغز كوليدج لندن للجزيرة: “الهجوم لا يحتاج بالضرورة إلى تدمير الخوادم نفسها ليُخرج المنشأة كلها من الخدمة”. قطع الكهرباء أو التبريد أو الاتصال يكفي. وهذا يعني أن تصميم مراكز البيانات في المنطقة يجب أن يفترض الأسوأ، لا الأفضل.

دروس عملية للمهندس العربي

  1. الألياف الضوئية تخصص مطلوب. آلاف الكيلومترات من الألياف البرية ستُمد في المنطقة خلال السنوات القادمة. مهندسو تخطيط الشبكات الضوئية وتركيبها واختبارها سيكونون في طلب مرتفع، خاصة في العراق والسعودية والخليج.
  2. صمّم بافتراض الانقطاع. سواء كنت تصمم شبكة شركة أو تطبيقاً، لا تعتمد على مسار واحد أو مركز بيانات واحد. وجود نسخة احتياطية في موقع جغرافي آخر لم يعد رفاهية.
  3. مراكز البيانات تحتاج مهندسين من كل التخصصات. مدني للتحصين، وكهرباء للتغذية الاحتياطية، وميكانيكا للتبريد، واتصالات للربط. هذا من أسرع القطاعات نمواً في الخليج.
  4. افهم الجانب التنظيمي. المهندس الذي يفهم عقود الألياف والتراخيص والعبور بين الدول، لا الكابل فقط، سيكون أكثر قيمة في هذه المشاريع.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *