الطاقة

أول خط من “حقل الشمال الشرقي” القطري جاهز في نوفمبر: أكبر توسعة غاز مسال في العالم تبدأ وسط أزمة هرمز

ما الذي حدث؟

في 7 أكتوبر 2026 نقلت رويترز عن شخصين مطلعين على خطط قطر للطاقة أن الخط الأول من مشروع توسعة حقل الشمال الشرقي (North Field East) سيكون جاهزاً لبدء التشغيل في نوفمبر، على أن يبدأ إنتاج الغاز الطبيعي المسال في الربع الأول من 2027. وكان الرئيس التنفيذي سعد الكعبي قد قال في سبتمبر إن الإنتاج متوقع في النصف الأول من 2027، رغم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

ويأتي الخبر في سياق صعب. فالهجمات الإيرانية في مارس الماضي على راس لفان ألحقت أضراراً بخطين من خطوط الإسالة، أخرجت نحو 17% من طاقة قطر، أي قرابة 12.8 مليون طن سنوياً، بحسب EnterpriseAM. وتتراوح تقديرات مدة الإصلاح بين ثلاث وخمس سنوات.

وبحسب تقرير EnterpriseAM في 12 أكتوبر، بلغت حركة ناقلات الغاز المسال عبر هرمز أعلى مستوى منذ بدء الحرب، لكنها ما زالت أقل بنحو 75% من مستويات فبراير. وتنتظر 12 ناقلة فارغة على الأقل قرب قطر، بسعة إجمالية تقارب 1.1 مليون طن.

المشروع بالأرقام

  • الخطوط: 4 خطوط إسالة عملاقة (Mega Trains)، طاقة كل منها 8 ملايين طن سنوياً.
  • الإضافة الإجمالية: نحو 32 إلى 33 مليون طن سنوياً، ترفع طاقة قطر من 77 إلى 110 ملايين طن سنوياً.
  • غاز التغذية: نحو 6 مليارات قدم مكعبة قياسية يومياً من القطاع الشرقي لحقل الشمال، أكبر حقل غاز غير مصاحب في العالم.
  • التنفيذ: عقد هندسة وتوريد وإنشاء وتشغيل أولي (EPCC) مُنح في فبراير 2021 لتحالف Technip Energies وChiyoda اليابانية.
  • حجم الإنشاء: أكثر من 45 ألف عامل في ذروة البناء، و600 ألف متر مكعب من الخرسانة.
  • البيئة: منشأة لالتقاط ثاني أكسيد الكربون وحقنه في آبار عميقة، وانبعاثات أقل بنحو 25% من مصنع مماثل، وخفض أكاسيد النيتروجين من التوربينات الغازية بنحو 60%.

كيف يُشغَّل خط إسالة لأول مرة؟

الغاز المسال ببساطة غاز طبيعي مُبرَّد إلى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر، فيتحول إلى سائل يشغل حجماً أصغر بنحو 600 مرة، فيمكن شحنه بالناقلات. لكن الطريق من البئر إلى الناقلة يمر بعدة مراحل:

  1. المعالجة الأولية: إزالة الغازات الحمضية مثل ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين، ثم إزالة الماء والزئبق. أي قطرة ماء ستتجمد وتسد المبادلات عند هذه الحرارة، والزئبق يهاجم سبائك الألومنيوم فيها. وفي هذا المشروع يُرسل ثاني أكسيد الكربون المفصول إلى منشأة الالتقاط والحقن بدل إطلاقه في الجو.
  2. فصل السوائل الثقيلة: استخلاص الإيثان والبروبان والمكثفات.
  3. التسييل: دوائر تبريد ضخمة تديرها ضواغط عملاقة تعمل بتوربينات غازية، تخفض حرارة الغاز تدريجياً داخل مبادل حراري مبرد رئيسي.

وبحسب المحلل مهدي طويل من Calypso Commodities، الخطوة التالية بعد الجاهزية هي إدخال غاز التغذية، ثم رفع الإنتاج تدريجياً على مدى عدة أسابيع حتى أول شحنة غاز مسال. وهذا التدرج ضروري هندسياً: فالمعدات المبردة يجب أن تُبرَّد ببطء لتجنب الإجهادات الحرارية في المعادن، والأنظمة تُختبر واحداً تلو الآخر.

ومن التفاصيل المهمة أن المشروع يستورد الكهرباء من الشبكة الوطنية القطرية، التي ستضم مستقبلاً كهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية، بدل أن يولد كل احتياجه ذاتياً. هذا قرار تصميمي يقلل الانبعاثات، لكنه يربط المصنع بموثوقية الشبكة.

رأي: خط إسالة بلا ممر بحري هو طاقة معلقة

الإنجاز الهندسي هنا حقيقي. إطلاق أول خط من أكبر مشروع غاز مسال في العالم في ظل حرب إقليمية، بعد خسارة خطين في راس لفان، يدل على قدرة تنفيذ عالية. لكن الأرقام نفسها تكشف المشكلة: الكعبي يقول إن قطر تنتج حالياً “القليل جداً” من الغاز المسال، ويقول طويل إن رفع الإنتاج بشكل مستدام “سيتطلب في النهاية استئناف العبور غير المقيد عبر مضيق هرمز”.

بعبارة أخرى، يمكنك أن تبني أفضل مصنع في العالم، لكن قيمته تساوي قدرتك على إخراج منتجه. والغاز المسال، بخلاف النفط، لا يمكن تخزينه طويلاً بسهولة ولا نقله بخط أنابيب إلى ميناء بديل بعيد بتكلفة معقولة. خزانات الغاز المسال تمتلئ خلال أيام إذا توقفت الناقلات، وعندها يجب خفض الإنتاج.

لذلك أرى أن الدرس الأكبر من 2026 لصناعة الغاز في الخليج ليس تقنياً بل تصميمي على مستوى المنظومة: مرونة سلسلة التصدير صارت جزءاً من التصميم، لا ملفاً منفصلاً للسياسة. سعة تخزين أكبر في الموانئ، وقدرة أعلى على خفض الإنتاج ورفعه بأمان، وخطط لتوجيه الغاز إلى الاستهلاك المحلي أو تحويله إلى منتجات أخرى عند الإغلاق. ويلاحظ أن شل أعادت تشغيل مصنع “بيرل” لتحويل الغاز إلى سوائل جزئياً، وأن قطر للطاقة طرحت مناقصة لبيع النافثا منه. تنويع المنتجات قد يكون أداة مرونة لا تقل أهمية عن تنويع الأسواق.

دروس عملية للمهندس

  1. التشغيل الأولي لمصانع الإسالة مهارة نادرة. التبريد التدريجي، وموازنة دوائر التبريد، وتشغيل الضواغط العملاقة لأول مرة خبرات يحتاجها الخليج لعقود. من يعمل في هذه المرحلة يكتسب خبرة لا تُدرس في الجامعة.
  2. تعلم التقاط الكربون في سياقه الصناعي. في مصانع الغاز، ثاني أكسيد الكربون يُفصل أصلاً من الغاز الخام، فالتقاطه هنا أرخص من التقاطه من مداخن محطات الكهرباء. هذا من أكثر مجالات CCS واقعية اقتصادياً.
  3. فكر في “الموثوقية حتى الميناء” لا حتى بوابة المصنع. المهندس الذي يدرس سعة الخزانات وزمن الامتلاء وسيناريوهات خفض الإنتاج يقدم قيمة أكبر من الذي يركز على كفاءة الخط وحده.
  4. المشاريع العملاقة مدرسة إدارة. 45 ألف عامل و600 ألف متر مكعب من الخرسانة تعني أن التخطيط والتنسيق والسلامة الميدانية مهارات هندسية بقدر الحسابات.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *