حكم جسر موراندي: 32 إدانة بعد ثماني سنوات، وسؤال لكل مهندس: متى تقول “لا”؟
ماذا حدث؟
في 16 يوليو 2026 أصدرت محكمة جنوة أول حكم جنائي في انهيار جسر موراندي (جسر بولشيفيرا) الذي سقط في 14 أغسطس 2018 أثناء عاصفة ممطرة. حُكم على جوفاني كاستيلوتشي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة Autostrade per l’Italia، بالسجن 12 عاماً، وعلى ميكيلي دونفيري ميتيلي، مدير الصيانة السابق، بـ 11 عاماً، وعلى أنتونينو غالاتا، الرئيس التنفيذي السابق لشركة SPEA الهندسية، بخمس سنوات وستة أشهر.
ضمت القضية 57 متهماً من مديري الشركة ومهندسين ومسؤولين في وزارة النقل. أدين 32 منهم بأحكام بين سنة و11 شهراً و12 عاماً، وبُرّئ آخرون أو سقطت تهمهم بالتقادم. وأعلن محامو كاستيلوتشي أنهم سيستأنفون. وقبل الحكم بيوم نشر الرئيس التنفيذي الحالي للشركة أريغو جيانا رسالة مفتوحة تضمنت أول اعتذار رسمي من الشركة.
الأرقام
- 43 قتيلاً، و1,182 متراً طول الجسر الذي افتتح عام 1967.
- ما يصل إلى 35 مركبة كانت على الجزء الذي سقط فوق المستودعات ومجرى النهر.
- 284 جلسة، و282 شاهداً واستشارياً فنياً، وأكثر من 24 ألف صفحة محاضر، ونحو 12 تيرابايت من الأدلة.
- نحو 23 مليون دولار كلفة مشروع لتعزيز الكابلات المائلة عند الركيزتين 9 و10، بدأ تصميمه عام 2015 وطرحت مناقصته، لكن التنفيذ لم يبدأ قط.
- 90 يوماً مهلة نشر الحيثيات المكتوبة للحكم.
شرح مبسط: ماذا قال الخبراء عن السبب؟
جسر موراندي اعتمد على عدد قليل من الكابلات المائلة المغلفة بالخرسانة. الخرسانة تحمي الفولاذ، لكنها تخفيه أيضاً عن العين. ورأت النيابة أن تدهوراً داخل أحد الكابلات عند الركيزة 9 أسهم في الانهيار، ووصفت المحكمة “منظومة عيوب” في الجزء العلوي منه.
وقال خبراء المحكمة إن قمة ذلك الكابل لم تُفحص فحصاً مباشراً، رغم اكتشاف عيوب سابقة في الركيزتين 10 و11، وإنه كان يجب إجراء أخذ عينات (coring) وفحص بالمنظار. واعتبروا فحوص الشركة وSPEA غير كافية ولا يعتمد عليها لتقدير تدهور الكابلات الفولاذية. ورفضوا نظرية الدفاع بأن فراغاً خفياً منذ الإنشاء هو السبب، مرجحين تسرب الماء والأكسجين عبر شقوق الخرسانة على مدى سنوات طويلة. كما وجدت لجنة الوزارة أن المراقبة بالانعكاس الكهربائي كانت نوعية ولم تغط إلا جزءاً من الكابلات.
رأي: الفحص الذي لم يُجرَ مسؤولية، لا سهو
في قضايا الانهيار نميل إلى البحث عن “الخطأ الكبير”: حساب خاطئ أو مادة مغشوشة. لكن قضية موراندي تقول شيئاً أصعب: الخطأ قد يكون سلسلة من القرارات الصغيرة المؤجلة. فحص لم يُطلب لأنه مكلف، وتقرير صيغ بلغة مطمئنة، ومشروع تعزيز ينتظر في الأدراج منذ 2015.
ولاحظ أن المحكمة أدانت بالإهمال دون أن تجد أن المتهمين توقعوا الانهيار فعلاً. أي أن المعيار لم يكن “هل كنت تعلم؟” بل “هل كان يجب أن تعلم؟”. وهذا في رأيي هو جوهر أخلاقيات المهنة: المهندس مسؤول عن المعرفة التي كان بإمكانه الحصول عليها، لا عن المعرفة التي حصل عليها فقط.
والدفاع قال إن المحاكمة لم تثبت سياسة لخفض تكاليف الصيانة، والنيابة قالت العكس، وسيحسم الاستئناف ذلك. لكن بالنسبة للمهندس العامل، ليس السؤال المهم ما إذا كانت الإدارة العليا تقصدت التوفير، بل: حين يرى المهندس الفاحص أن أداة الفحص لا تكفي، هل يكتب ذلك صراحة في تقريره؟ وحين يرى أن التعزيز تأخر، هل يصعّد الأمر؟
وتقول إيغلي بوزيتي، رئيسة لجنة ذوي الضحايا، إن “أي جهة رقابية لم توقف المشغل”. وهذه نقطة في محلها: حين تكون الشركة المشغلة هي التي تفحص نفسها، أو تفحصها شركة شقيقة، تضعف المسافة اللازمة لقول “لا”.
والمحكمة نفسها لم تكتف بإدانة المديرين. فإدانة رئيس شركة الهندسة التي كانت تفحص الجسر رسالة مباشرة لكل مكتب استشاري يقدم خدمات فحص: التوقيع على تقرير فحص ليس إجراءً إدارياً، بل التزام مهني له عواقب. والتقرير الذي يقول “الحالة مقبولة” دون أن يقول “بحسب ما أمكن رؤيته بهذه الأداة” قد يتحول بعد سنوات إلى دليل إدانة.
ولا أعني بذلك أن المهندس الفاحص يجب أن يتحمل وحده خطأ منظومة كاملة. لكن الحماية الوحيدة المتاحة له هي الكتابة الواضحة: ما فحصه، وما لم يستطع فحصه، وما أوصى به، ومتى أوصى به.
لماذا يعنينا هذا عربياً؟
كثير من جسورنا وأنفاقنا تديرها اليوم شركات تشغيل وصيانة بعقود طويلة، وبعضها جزء من مجموعات تملك شركات التصميم والإشراف نفسها. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها، لكنها تحتاج فاحصاً مستقلاً فعلاً، وتقارير فحص تذكر حدود الأداة المستخدمة لا نتائجها فقط.
دروس عملية للمهندس
- اكتب حدود الفحص. إذا لم تستطع أداتك رؤية الفولاذ داخل الخرسانة، فقل ذلك صراحة في التقرير، واقترح الفحص البديل.
- العيب في عنصر مماثل إنذار. اكتشاف عيب في ركيزة يعني فحص الركائز المشابهة مباشرة، لا الاكتفاء بالمراقبة.
- التأخير قرار هندسي. تأجيل التعزيز يجب أن يوثق مع تقييم للمخاطر ومن وافق عليه.
- احفظ استقلالك. إذا كان عميلك هو من تفحص منشأته، فاجعل توصياتك مكتوبة ومؤرخة، ولا تقبل تخفيف صياغتها.
- “كان يجب أن تعلم”. هذا هو المعيار الذي ستحاكم به المهنة في النهاية، فاعمل على أساسه.
