مسار المهندس

بين 30 ألف جنيه و4 آلاف: لماذا اختلفت الحكومة ونقابة المهندسين على راتب المهندس المصري؟

ما الذي حدث؟

في 11 سبتمبر 2026 علّق نقيب المهندسين الدكتور محمد عبد الغني على تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بشأن لقائه مهندسين وحديثه عن رواتبهم. وبحسب موقع كشكول، قال النقيب إن رقم “30 ألف جنيه لحديث التخرج” يحتاج إلى تدقيق وبعيد عن الواقع، وإن الأرقام الأعلى من ذلك حالات خاصة ونادرة.

وبعد أسبوعين، في 27 سبتمبر، أقرت لجنة البدلات والحوافز بالنقابة، برئاسة المهندس محمود نصار، حزمة مطالب مالية لرفعها إلى النقيب، وفق ما نشره موقع مصراوي. والمطالب ما زالت مقترحات، لا قرارات نافذة.

وبين التاريخين، في 23 سبتمبر، ربط النقيب في تصريحات تلفزيونية نقلها موقع القاهرة 24 بين ملف الأجور وملف أعداد الخريجين، فقال إن هناك وظائف هندسية لا تجد من يشغلها رغم البطالة، بسبب عدم التوافق بين التخصصات واحتياجات السوق، وإن الأزمة تتعلق أيضاً بمدى تأهيل الخريجين لا بأعدادهم فقط. وهذا الربط مهم، لأن الأجر في أي سوق هو في النهاية نتيجة العرض والطلب على مهارة محددة.

الأرقام كما عرضتها النقابة

  • المهندسون في الجهات الحكومية والقطاع العام: بين 4 آلاف و9 آلاف جنيه شهرياً.
  • المهندسون في القطاع الخاص: بين 6 آلاف و11 ألف جنيه شهرياً.
  • البطالة: يقول النقيب إن الإحصاءات تشير إلى أن نحو 20% إلى 25% من المهندسين بلا عمل.
  • بدل التفرغ الحالي: بين 40 و180 جنيهاً فقط.
  • مطلب بدل التفرغ: رفعه إلى 50% من الأجر الوظيفي الشهري، ومده إلى كل المهندسين في الجهات الحكومية وقطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية، بمن فيهم العاملون بعقود المسجلون في النقابة.
  • بدل الندرة: للتخصصات الهندسية النادرة.
  • بدل المخاطر: للعاملين في المناجم والمحاجر، وصيانة الأجهزة الطبية بالمستشفيات، ومحطات المياه والصرف، والكهرباء والجهد العالي، والبترول والغاز والكيماويات، ومواقع الإنشاء والأنفاق.
  • الخطوات التالية: طلب بيانات رسمية بأعداد المستفيدين، واقتراح لجنة مشتركة من الوزارات والنقابة لتقدير الأثر المالي، وجمع عينات من مفردات المرتبات بعد إخفاء الأسماء.

لماذا يختلف الرقمان؟ شرح مبسط

الخلاف بين 30 ألف جنيه و4 آلاف ليس بالضرورة خلافاً على الحقيقة، بل على “أي رقم نقيس”. في الإحصاء الهندسي نعرف أن المتوسط الحسابي يتأثر بشدة بالقيم المتطرفة. لو كان في عينة من عشرة مهندسين تسعة يتقاضون 7 آلاف جنيه وواحد يتقاضى 80 ألفاً في شركة متعددة الجنسيات، فالمتوسط 14,300 جنيه تقريباً، بينما الوسيط 7 آلاف. الرقم الأول يصف أحداً لا وجود له، والثاني يصف معظم العينة.

ولهذا فطلب النقابة جمع مفردات مرتبات حقيقية من كل الدرجات خطوة صحيحة منهجياً: النقاش حول الأجور لا يُحسم بأمثلة منتقاة من أي طرف، بل بتوزيع كامل يظهر الوسيط والشرائح.

وحتى أرقام النقابة نفسها نطاقات واسعة: الحد الأعلى في الجهات الحكومية يزيد على ضعف الحد الأدنى، وهو ما يعني أن الأقدمية والجهة والتخصص تصنع فروقاً كبيرة داخل الفئة الواحدة.

رأي: البدلات تعالج العرض لا المرض

أتفق مع النقابة في أن بدل تفرغ يتراوح بين 40 و180 جنيهاً أصبح رقماً رمزياً لا معنى له، وأن بدل المخاطر لمهندس يعمل في الجهد العالي أو في نفق قيد الإنشاء مطلب عادل وبديهي. لكنني أرى أن البدلات وحدها لن تغير وضع المهندس المصري كثيراً، لسببين.

الأول أن المهندسين في القطاع الخاص، وهو الذي يعرض بحسب النقابة نطاق أجر أعلى قليلاً، لا تنطبق عليهم هذه البدلات الحكومية أصلاً، وأجرهم يحدده العرض والطلب. والثاني أن النقابة نفسها تقول إن البطالة بين 20% و25%. في سوق فيه هذا الفائض، أي زيادة في الأجر الحكومي ستفيد من لديه وظيفة بالفعل، ولن تساعد من يبحث عنها.

الحل الأعمق في رأيي هو ما تتحدث عنه النقابة في ملفات أخرى: ربط الأجر بالكفاءة المعتمدة. حين يصبح لدرجة “مهندس متخصص” أو “استشاري” معنى موثق، يصبح من حق المهندس أن يطالب بأجر مختلف، ومن السهل على صاحب العمل أن يبرره. أما بدل يُصرف للجميع بالتساوي، فلا يكافئ من طور نفسه.

ويبقى أن مطلب “كادر خاص للمهندسين” الذي أشار إليه النقيب يستحق النقاش، بشرط أن يُبنى على درجات مهنية حقيقية، لا على الأقدمية وحدها.

دروس عملية للمهندس

  1. اعرف سعرك بالوسيط لا بالأمثلة: اسأل زملاء في الشركات المماثلة وفي تخصصك وسنوات خبرتك نفسها، وابنِ نطاقاً واقعياً قبل أي تفاوض.
  2. التخصصات الخطرة والنادرة لها قيمة: إذا كنت في الجهد العالي أو البترول أو الأنفاق، فوثّق طبيعة عملك؛ أي بدل مخاطر قادم سيُصرف لمن يثبت أنه يستحقه.
  3. فاوض على الحزمة كلها: التأمين الصحي والتدريب والشهادات المدفوعة جزء من الأجر، وأحياناً أسهل في التفاوض من الراتب الأساسي.
  4. الشهادة المهنية ورقة تفاوض: أي اعتماد مهني موثق يعطيك حجة للمطالبة بأجر أعلى في مصر وفي الخليج.
  5. فكّر في تصدير خدماتك: العمل عن بعد لمكاتب تصميم في الخارج، في البرمجة الهندسية أو الرسم الهندسي أو النمذجة، أصبح طريقاً لرفع الدخل دون مغادرة البلد.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *