الأردن يطرح مشروع الموجب لتخزين الكهرباء بالماء: 450 ميجاوات وسبع ساعات، فلماذا يختار بلد شحيح المياه “بطارية” من الماء؟
ما الذي حدث؟
أعلنت وزارة الاستثمار في الأردن يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 طرح دعوة التأهيل الأولي لمشروع الموجب لتخزين الطاقة الكهربائية بطريقة ضخ المياه. وسيُنفَّذ المشروع بنظام البناء والتملك والتشغيل ثم نقل الملكية (BOOT)، إذ يتولى المستثمر الخاص التطوير والتمويل والتصميم والبناء والتملك والتشغيل والصيانة، ثم تعود المحطة إلى الدولة في نهاية العقد.
وهدف المحطة، كما تقول الوزارة، تخزين فائض الكهرباء المولدة نهاراً، وأغلبها من الطاقة الشمسية، ثم إعادته إلى الشبكة في ذروة الطلب المسائية، بما يرفع مرونة الشبكة ويزيد استيعاب الطاقة المتجددة ويقلل الاعتماد على الوقود المستورد. ونقلت مجلة MEED الخبر في اليوم نفسه بوصفه انطلاق التأهيل لمشروع شراكة بقدرة 450 ميجاوات.
الأرقام الأساسية
- القدرة: 450 ميجاوات، عبر وحدتين عكسيتين للتوليد والضخ بقدرة 225 ميجاوات لكل منهما.
- مدة التخزين: سبع ساعات بالحمل الكامل، أي نحو 3150 ميجاوات ساعة، وهو الرقم الذي ذكرته وزارة الطاقة والثروة المعدنية في 2024.
- الموقع: بجوار سد الموجب في محافظة الكرك جنوب الأردن.
- النظام: دائرة مغلقة تنقل الماء بين خزانين عبر أنابيب ضغط، ويُعاد استخدام الماء نفسه.
- مسار المشروع: دراسة ما قبل الجدوى بدعم أوروبي في 2018 وجدت أن الموجب يقدم أقل تكلفة نوعية للتخزين بين المواقع المدروسة، ومنها سدا وادي العرب والملك طلال. ثم طُرحت في 2020 دراسة جدوى قابلة للتمويل عبر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) بقدرة تصميمية 200 ميجاوات، واكتملت دراسة الجدوى في سبتمبر 2022، وتعاونت الحكومة مع البنك الدولي في المرحلة التالية.
لاحظ أن القدرة ارتفعت من 200 ميجاوات في وثائق 2020 إلى 450 ميجاوات اليوم. هذا وحده يقول إن حجم الفائض الشمسي الذي يحتاج الأردن إلى تخزينه كبر أسرع مما توقعه المخططون قبل ست سنوات.
كيف تعمل “البطارية المائية”؟
الفكرة قديمة وبسيطة: خزان علوي وخزان سفلي بينهما فرق منسوب. في ساعات الظهيرة، حين تفيض الكهرباء الشمسية ويرخص سعرها، تعمل الوحدات مضخاتٍ ترفع الماء إلى الخزان العلوي، فتتحول الكهرباء إلى طاقة وضع. وفي المساء تنعكس الوحدات لتعمل توربينات، فينزل الماء ويولد الكهرباء من جديد.
الطاقة المخزنة تساوي تقريباً كثافة الماء × تسارع الجاذبية × فرق المنسوب × حجم الماء. ولتقريب الصورة فقط، لو افترضنا فرق منسوب قدره 300 متر (وهو رقم افتراضي لم تعلنه الوزارة)، فإن كل متر مكعب يحمل نحو 0.82 كيلوواط ساعة. أي أن 3150 ميجاوات ساعة تحتاج قرابة أربعة ملايين متر مكعب من الماء قبل حساب الفواقد، وأكثر من ذلك بعدها. لهذا يكون فرق المنسوب أثمن ما في الموقع: كلما ارتفع، صغر الخزان المطلوب وقلت تكلفة الحفر والسدود.
أما “الدائرة المغلقة” فتعني أن المحطة لا تستهلك ماء الوادي في كل دورة، بل تدور الكمية نفسها بين الخزانين، ولا تحتاج إلا إلى تعويض ما يتبخر أو يتسرب. وهذه نقطة حاسمة في بلد يُعد من أفقر دول العالم مائياً.
رأي: المشروع يعالج المشكلة الصحيحة، لكن نجاحه يُحسم في العقد لا في التوربين
أرى أن الموجب من أذكى المشاريع المطروحة في المنطقة هذا العام، لثلاثة أسباب.
الأول أن المدة مناسبة للمشكلة. ذروة الأردن مسائية، تبدأ بعد غروب الشمس وتمتد ساعات. معظم مشاريع البطاريات في المنطقة تُصمم لأربع ساعات تقريباً، أما سبع ساعات فتغطي المساء كله تقريباً. والتخزين المائي يتحسن اقتصادياً كلما طالت المدة، لأن زيادة الساعات تعني خزاناً أكبر قليلاً لا وحدات إضافية.
الثاني أن العمر طويل. المحطة المائية أصل يعيش عقوداً، وهذا يناسب نموذج BOOT الذي يحتاج إلى أصل يبقى ذا قيمة حين يعود إلى الدولة.
الثالث أن التوقيت متسق مع السياسة. فوفق ما نقلته Enerdata عن الاستراتيجية الوطنية للطاقة 2025 إلى 2035، يستهدف الأردن 40% من الكهرباء من المصادر المتجددة بحلول 2035، ويطبق تعرفة كهرباء حسب وقت الاستخدام في جميع القطاعات منذ سبتمبر 2026. والتعرفة الزمنية هي بالضبط ما يعطي للتخزين قيمة يمكن قياسها: فرق السعر بين الظهيرة والمساء.
لكن هنا موضع الحذر. لم يُعلَن حتى الآن جدول زمني ولا تكلفة تقديرية ولا آلية الدفع للمستثمر. ومحطات التخزين لا تبيع كهرباء “جديدة”، بل تبيع مرونة. فإذا دُفع للمستثمر مقابل الجاهزية والسعة، سهل التمويل وارتفعت كلفة الشراكة على المشتري الحكومي. وإذا تُرك ليربح من فرق السعر وحده، ارتفع خطر المشروع وقل المتقدمون. في رأيي، طريقة تقاسم هذا الخطر في وثائق الطرح ستحدد مصير المشروع أكثر من أي اختيار تقني.
والخطر الثاني جيولوجي. سنوات التحضير منذ 2018 تقول إن الموقع دُرس جيداً، لكن الأنفاق وأنابيب الضغط والكهوف الجوفية للوحدات هي حيث تختبئ المفاجآت في هذا النوع من المشاريع حول العالم.
دروس عملية للمهندس
- التخزين صار تخصصاً قائماً بذاته. مهندس الكهرباء الذي يفهم اقتصاديات التخزين (القدرة مقابل الطاقة، والساعات، وتعرفة وقت الاستخدام) سيكون مطلوباً في كل شبكة عربية تتوسع في الشمس.
- الهيدروليكا لم تمت. المشروع يحتاج إلى مهندسين مدنيين وميكانيكيين يفهمون الضغوط العابرة في الأنابيب (المطرقة المائية) والمضخات التوربينية العكسية والجيوتقنية للأنفاق. هذه مهارات نادرة في المنطقة، ومشروع واحد بهذا الحجم يصنع جيلاً من الخبرة.
- اقرأ وثائق التأهيل. وثائق مشاريع الشراكة المنشورة مدرسة مجانية في كيفية توزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر. اقرأها بعين مهندس: ما المطلوب في الدراسات، ومن يتحمل خطر الجيولوجيا، وكيف تُقاس الجاهزية.
- احسب قبل أن تنبهر. المعادلة البسيطة لطاقة الوضع تكفي لتقدير حجم الخزان من رقمي القدرة والمدة. هذه العادة تحميك من قبول أرقام إعلامية لا تستقيم هندسياً.
المصادر
- Jordan News، “Investment Ministry Launches Prequalification for Mujib Energy Storage Project” (15 أكتوبر 2026)
- أخبار حياة، “الاستثمار تطرح دعوة التأهيل لمشروع الموجب لتخزين الطاقة بقدرة 450 ميغاواط” (15 أكتوبر 2026)
- MEED، “Jordan begins prequalification for 450MW pumped-hydro plant” (15 أكتوبر 2026)
- وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، “Jordan is preparing to implement a 450-megawatt pumped hydroelectric storage project in Mujib Dam” (22 سبتمبر 2024)
- Hydropower & Dams، “Studies sought for pumped-storage project in Jordan” (16 يونيو 2020)
- Enerdata، “Jordan approves 2025-2035 energy strategy to expand gas and renewables” (28 أغسطس 2026)

