أبراج لا غوايرا في فنزويلا: كود البناء لا ينقذ مبنى وُضع في المكان الخطأ
ماذا حدث؟
في 24 يونيو 2026 ضرب فنزويلا زلزالان متتاليان بقوة 7.2 و7.5، فقتلا أكثر من 6,500 شخص وشردا أكثر من 17 ألفاً. وكان أشد الدمار في ولاية لا غوايرا الساحلية، وخاصة في بلدة كارابايدا.
وفي 30 سبتمبر نشرت وكالة أسوشيتد برس تحقيقاً عن أبراج “البعثة الكبرى للإسكان في فنزويلا”، البرنامج الذي أطلقه هوغو تشافيز عام 2011 بعد أن شردت أمطار 2010 أكثر من 100 ألف شخص. بنت الحكومة 43 برجاً في لا غوايرا، كلها تقريباً في كارابايدا، على شريط ضيق بين البحر والجبال. وتظهر لقطات كاميرا مراقبة ثمانية مبان تنهار في ثانية واحدة.
الأرقام والوقائع
- 14 برجاً على الأقل سقطت شبه متزامنة في لا غوايرا.
- 10 إلى 20 طابقاً ارتفاع الأبراج التي قد تتأرجح بتزامن مع الموجات الزلزالية في هذه التربة، بحسب الخبراء.
- صدع سان سباستيان يمر قبالة الساحل وتحت الولاية، والمنطقة شهدت زلزالاً بقوة 6.6 عام 1967، وفيضانات وانهيارات طينية مدمرة عام 1999.
- 2011: أثارت جمعيات مهنية ورقابية مخاوف من الالتزام بمعايير التصميم المقاوم للزلازل وجودة الإسمنت والحديد.
- لا بيانات محلية: سمحت الحكومة بتوقف أجهزة الرصد الزلزالي المحلية، فلا توجد قياسات لشدة الاهتزاز في الموقع.
- لا سجلات منشورة: لم تنشر الحكومة المخططات أو دراسات التربة أو سجلات التفتيش.
شرح مبسط: ثلاثة عوامل اجتمعت
التربة: الأرض طمي رخو ترسب عبر قرون من الفيضانات والانهيارات الطينية. هذه التربة تضخم الاهتزاز بدلاً من أن تخمده.
الرنين: لكل مبنى زمن اهتزاز طبيعي يزيد مع ارتفاعه. وحين يقترب هذا الزمن من الزمن السائد لاهتزاز التربة اللينة، يتضخم التأرجح ويزداد الإجهاد على الأعمدة. والأبراج المتوسطة الارتفاع هي الأكثر عرضة لذلك في هذا النوع من التربة.
النبضة القريبة من الصدع: وصف الجيولوجي مايكل شميتز من جامعة فنزويلا المركزية نبضة “ضربت قواعد المباني ضربة قوية جداً”. وقال فريق المهندس إدواردو ميراندا من جامعة ستانفورد، بعد تحليل اللقطات، إن الحركة الأرضية من أكبر ما وُثّق، وإن مباني مصممة وفق الكود الياباني الصارم كانت ستجد صعوبة في الصمود. وورقتهم قيد التحكيم.
رأي: الكود يبدأ من الخريطة لا من الحديد
حين ينهار مبنى في زلزال، نسأل عادة: هل التزم المقاول بالكود؟ هل كان الحديد كافياً؟ هل كانت الخرسانة جيدة؟ وهي أسئلة مهمة، والتحقيق يقول إننا لا نعرف أجوبتها لأن الحكومة لم تنشر شيئاً. لكن رأي ميراندا يفتح باباً أخطر: إذا كانت الحركة الأرضية كافية لإسقاط مبان مصممة بكود اليابان، فإن الكود ليس خط الدفاع الأول هنا.
خط الدفاع الأول هو قرار الموقع. كارلوس جيناتيوس، المهندس ووزير العلوم الأسبق الذي قاد خطة إعادة الإعمار بعد فيضانات 1999، يقول إنه أوصى بمنشآت خفيفة فقط في بعض الأراضي، وإن “هناك أراضي ما كان يجب استخدامها”. والقرار جاء تحت ضغط إسكان عشرات آلاف المشردين بسرعة. وهنا المفارقة: برنامج لإيواء ضحايا كارثة طبيعية وضعهم في طريق كارثة أخرى.
ورأيي أن الدرس الثاني لا يقل أهمية: المعرفة التي لا تُسجل لا تحمي أحداً. أجهزة رصد متوقفة، ودراسات تربة غير منشورة، ومخططات غير متاحة. فلا يمكن اليوم تحديد ما إذا كان الخطأ في الموقع أم في التصميم أم في التنفيذ، ولا تعلم الدرس بدقة. وحتى المدافع عن البرنامج فرانسيسكو سيستو قال إن دراسات التربة كانت تجريها شركات خاصة عادة، دون أن يقدم دليلاً.
لماذا يعنينا هذا عربياً؟
منطقتنا ليست بعيدة عن الزلازل: المغرب وتركيا وسوريا والبحر الأحمر وجبال زاغروس. ومدننا تتوسع بسرعة نحو أراض ساحلية ورسوبية ومناطق ردم. وأكواد البناء العربية الحديثة جيدة على الورق، لكن السؤال هو: هل تُلزم المشاريع السكنية الكبرى، خاصة الحكومية العاجلة، بدراسة استجابة الموقع الزلزالية؟ وهل تحفظ دراسات التربة وسجلات التفتيش في أرشيف عام يمكن الرجوع إليه بعد الكارثة؟
وهناك إشارات إيجابية على أن التوثيق نفسه يمكن أن يصبح سياسة. ففي مارس 2026 أصدرت هيئة أبوظبي للدفاع المدني 54 تعديلاً على كود الحريق والسلامة كان كثير منها يطبق حالة بحالة، فأصبحت مكتوبة وموحدة، بهدف توحيد قرارات الموافقة. والمنطق نفسه مطلوب زلزالياً: ما يُقرَّر في الموقع يجب أن يُكتب ويُحفظ.
ما الذي يمكن فعله في المباني القائمة؟
السؤال الصعب لا يتعلق بالمباني الجديدة فقط. ماذا عن آلاف الشقق التي بنيت بالفعل على أراض مشابهة في مدن كثيرة؟ هنا يصبح التقييم الزلزالي للمباني القائمة أولوية: حصر المباني على التربة الرخوة وقرب الصدوع، وترتيبها بحسب الخطورة وعدد السكان، ثم تقوية الأخطر منها أو إخلاؤه. وهذا عمل بطيء ومكلف، لكنه أرخص من إعادة الإعمار بعد كارثة.
دروس عملية للمهندس
- اقرأ الموقع قبل الكود. تصنيف التربة وقربها من صدوع نشطة يحدد هل يجب البناء، ثم كيف.
- انتبه للرنين. في التربة اللينة، تحقق من تقارب زمن اهتزاز المبنى مع زمن الموقع، وفكّر في تغيير الارتفاع أو النظام الإنشائي.
- السرعة لا تلغي الدراسة. مشاريع الإسكان العاجلة هي الأحوج إلى دراسات الموقع لأنها تسكن أعداداً كبيرة.
- أرشف كل شيء. دراسة التربة والمخططات وسجلات التفتيش أدلة هندسية، وغيابها يجعل كل انهيار لغزاً.
المصادر
- AP عبر La Nación، “AP investigation: Warnings ignored as Venezuela coastal towers faced quake forces they couldn’t take” (30 سبتمبر 2026)
- AP عبر ClickOnDetroit، “Takeaways from AP investigation into collapse of housing towers during Venezuela’s earthquakes” (30 سبتمبر 2026)
- Fire Middle East، “Abu Dhabi updates fire safety code with new amendments” (6 أبريل 2026)

