الطاقة

الربط الكهربائي المصري السعودي يقترب من طاقته الكاملة: لماذا تبادل الكهرباء أذكى من بناء محطات جديدة؟

ما الذي حدث؟

التقى وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري محمود عصمت وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في الرياض يوم 13 أكتوبر 2026، على هامش اجتماعات المجلس الوزاري العربي للكهرباء ومنتدى الطاقة الدولي. وأعلن الجانبان أن المرحلة الثانية من مشروع الربط الكهربائي، وقدرتها 1500 ميجاوات، تخضع حالياً للتشغيل التجريبي، وأن الإطلاق الرسمي للمشروع بكامل طاقته سيكون “خلال الأسابيع المقبلة”، بإعلان مشترك بعد انتهاء الاختبارات.

وكانت المرحلة الأولى، بقدرة 1500 ميجاوات أيضاً، مقررة للتشغيل قبل صيف 2026 لدعم خطة الإمداد الصيفية في مصر. وباكتمال المرحلتين تصل قدرة التبادل بين البلدين إلى 3000 ميجاوات في الاتجاهين.

المشروع بالأرقام

  • القدرة: 3000 ميجاوات قابلة للتبادل في الاتجاهين.
  • الجهد: ±500 كيلوفولت تيار مستمر (HVDC).
  • الطول: نحو 1350 كيلومتراً، منها حوالي 1300 كيلومتر خطوط هوائية (965 كم داخل السعودية و335 كم داخل مصر)، و23 كيلومتراً كابلات بحرية تعبر خليج العقبة.
  • محطات التحويل: ثلاث محطات، في بدر شرق القاهرة، وتبوك، وشرق المدينة المنورة.
  • الأبراج: 862 برجاً.
  • التكلفة: نحو 1.8 مليار دولار.
  • التنفيذ: تحالف تقوده هيتاشي إنرجي لمحطات التحويل، مع أوراسكوم للإنشاءات المصرية وشركة الخدمات السعودية للأعمال الكهروميكانيكية، بينما تتولى AtkinsRéalis إدارة المشروع والخدمات الهندسية.

كيف يعمل؟ شرح مبسط للتيار المستمر عالي الجهد

الكهرباء في بيوتنا وشبكاتنا “تيار متردد”، أي أن اتجاهه يتغير 50 أو 60 مرة في الثانية. فلماذا ينقل هذا المشروع الكهرباء بتيار مستمر؟

أولاً: المسافة. في الخطوط الطويلة جداً يفقد التيار المتردد جزءاً أكبر من طاقته في الطريق. وعلى مسافة 1350 كيلومتراً، يصبح التيار المستمر أوفر في الفقد، ويحتاج إلى عدد أقل من الموصلات.

ثانياً: البحر. الكابلات البحرية تتصرف مثل مكثف كهربائي ضخم. ومع التيار المتردد، يضيع جزء كبير من قدرة الكابل في “شحن” هذا المكثف وتفريغه باستمرار. أما التيار المستمر فلا يعاني هذه المشكلة، ولذلك تعتمد معظم الروابط البحرية الطويلة في العالم عليه.

ثالثاً: شبكتان لا تتحدثان اللغة نفسها. الشبكة المصرية تعمل بتردد 50 هرتز، والسعودية بتردد 60 هرتز. لا يمكن ربطهما مباشرة بالتيار المتردد. محطة التحويل في كل طرف تحوّل التيار المتردد إلى مستمر ثم تعيده متردداً بالتردد المحلي، فتتبادل الشبكتان الطاقة دون أن تضطر أي منهما إلى تغيير ترددها.

رابعاً: التحكم الكامل. في الربط بالتيار المستمر يحدد المشغل بدقة كم ميجاوات تمر وفي أي اتجاه. وبحسب هيتاشي إنرجي، يستطيع نظام التحكم عكس اتجاه التدفق بين المحطات دون قطع النقل. وهذا مهم لأن عطلاً في شبكة لا ينتقل تلقائياً إلى الشبكة الأخرى كما قد يحدث في الربط المتردد.

رأي: الفكرة الذكية هنا ليست الخط، بل “فرق التوقيت”

القيمة الحقيقية للمشروع لا تكمن في الكابلات والأبراج، بل في استغلال اختلاف أوقات الذروة بين البلدين. فالبيانات الرسمية للمشروع تتحدث صراحة عن تبادل الكهرباء “بحسب الطلب، استناداً إلى اختلاف فترات الذروة”.

المنطق بسيط: كل شبكة كهرباء تُبنى لتغطي أعلى لحظة استهلاك في السنة، حتى لو كانت هذه اللحظة لا تتكرر إلا ساعات قليلة. وهذا يعني محطات تكلف مليارات وتقف معظم الوقت شبه عاطلة. حين تتبادل شبكتان كبيرتان الطاقة، وتختلف ساعات ذروتهما، تستطيع كل منهما أن “تستعير” من الأخرى بدل أن تبني لنفسها محطة إضافية لا تعمل إلا في الذروة.

بلغة الأرقام: 1.8 مليار دولار مقابل 3000 ميجاوات من القدرة المتاحة عند الحاجة. بناء محطات توليد جديدة بهذا الحجم كان سيكلف أكثر، فضلاً عن الوقود الذي ستحرقه سنوياً. ومصر تحديداً تحتاج هذا: ففي 2024 كان الغاز الطبيعي يولد 81% من كهربائها، ويتوقع أن ينمو الطلب على الشبكة بين 6% و7% في أشهر الصيف.

لكن هناك ملاحظتان:

  1. الربط يُضاعف قيمة الطاقة المتجددة. مصر تخطط لإضافة 3 جيجاوات من الطاقة الشمسية في 2026 وحدها، وتستهدف 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030. والشمس تنتج في ساعات محددة. وجود خط قادر على تصدير الفائض وقت الإنتاج واستيراده وقت الحاجة يجعل كل ميجاوات شمسي أكثر قيمة. هذا ما ألمح إليه الوزير المصري حين قال إن الربط يمكن أن يدعم مشاريع الطاقة النظيفة مستقبلاً.
  2. الاعتماد المتبادل مسؤولية. حين تعتمد شبكة على أخرى في لحظات الذروة، يصبح الاتفاق التجاري وتنسيق التشغيل بأهمية الكابل نفسه. نجاح المشروع على المدى الطويل سيعتمد على قواعد تسعير وتشغيل واضحة، لا على المعدات فقط.

المشروع كبداية لشبكة عربية

بحسب هيتاشي إنرجي، يمنح هذا الربط مصر وصولاً إلى شبكات الخليج العربي، ويمنح السعودية وصولاً إلى شبكات شمال أفريقيا. أي أنه ليس خطاً بين بلدين فقط، بل حلقة وصل محتملة بين قارتين. وإذا اكتملت الروابط الإقليمية الأخرى، قد يصبح من الممكن يوماً نقل كهرباء شمسية من صحراء مصر أو السعودية إلى أسواق أبعد.

دروس عملية للمهندس العربي

  1. تعلّم HVDC. الطلب على مهندسي محطات التحويل وأنظمة التحكم والحماية في التيار المستمر سيتزايد في المنطقة مع كل مشروع ربط جديد. هذا تخصص نادر نسبياً، وأجره مرتفع.
  2. فكّر في النظام لا في المحطة. أكبر وفر في المشروع لم يأت من معدة بعينها، بل من النظر إلى شبكتين كنظام واحد. المهندس الذي يفهم اقتصاديات الشبكة يتفوق على من يعرف المعدات فقط.
  3. الكابلات البحرية مجال واعد. 23 كيلومتراً عبر خليج العقبة تبدو مسافة قصيرة، لكنها أصعب جزء في المشروع. خبرات المسح البحري وتركيب الكابلات وصيانتها مطلوبة في المنطقة، في الطاقة والاتصالات معاً.
  4. تابع عقود التشغيل والصيانة. بعد انتهاء البناء، تبدأ عقود تشغيل تمتد سنوات طويلة. هذه فرص عمل مستقرة للمهندسين المحليين في مصر والسعودية.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *