إنتل تبدأ الإنتاج الكمي بآلات High-NA EUV: لماذا تصبح عدسة أوسع قليلاً أهم سباق في صناعة الرقائق؟
ما الذي حدث؟
في 15 يوليو 2026، وبالتزامن مع إعلان ASML نتائج الربع الثاني، أعلنت إنتل للمسابك وASML أن إنتل شحنت أول منتج منطقي بإنتاج كمي صُنعت بعض طبقاته بتقنية الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة ذات الفتحة العددية العالية (High-NA EUV). المنتج هو جزء من معالجات Core Ultra Series 3 المعروفة باسم Panther Lake، المصنوعة بعقدة Intel 18A في مصنع إنتل بولاية أوريغون الأمريكية.
التفصيل المهم أن التقنية الجديدة لا تُستخدم في كل الشريحة، بل في طبقات مختارة فقط، بينما تُصنع بقية الطبقات بالطباعة الضوئية التقليدية. وبحسب Tom’s Hardware، فإن مردود الإنتاج (Yield) في هذه الطبقات يماثل مردودها على آلات EUV الحالية من ASML.
وقد أكدت TrendForce لاحقاً، في تقرير نُشر في الأول من سبتمبر 2026، أن عشرة أنظمة High-NA تعمل حالياً لدى أربعة عملاء حول العالم، مع ثلاثة أنظمة أخرى قيد الشحن والتركيب.
الأرقام الأساسية
- الفتحة العددية: من 0.33 في آلات EUV الحالية إلى 0.55 في آلات High-NA.
- الطول الموجي: ثابت عند 13.5 نانومتر في الجيلين.
- البداية: ركّبت إنتل أول آلة TWINSCAN EXE:5000 في مركز أبحاثها في هيلزبورو بأوريغون عام 2024، وكانت أول من أهّل الجيل الثاني EXE:5200B.
- الإنتاجية: وصلت آلة EXE:5200B إلى 135 رقاقة في الساعة في اختبارات القبول، وتستهدف خارطة ASML ما بين 160 و180 رقاقة في الساعة للأجيال اللاحقة قبل نهاية العقد.
- الخبرة التراكمية: عرّضت أنظمة High-NA مجتمعة أكثر من 1.35 مليون رقاقة حتى الآن، بحسب TrendForce.
- المستقبل: صُممت عقدة Intel 14A لاستخدام High-NA في مجموعة من أضيق طبقاتها.
شرح مبسط: لماذا تهم الفتحة العددية؟
الطباعة الضوئية في صناعة الرقائق تشبه “تصوير” تصميم الدائرة على رقاقة السيليكون. وأصغر تفصيل يمكن طباعته يتحدد بعاملين أساسيين: الطول الموجي للضوء، والفتحة العددية للعدسات والمرايا (أي قدرتها على تجميع الضوء من زوايا أوسع).
لم يعد ممكناً تقليل الطول الموجي بسهولة بعد الوصول إلى 13.5 نانومتر، لذلك اتجهت ASML إلى العامل الثاني: رفع الفتحة العددية من 0.33 إلى 0.55. النتيجة أن الآلة تستطيع طباعة خطوط أدق في تعريض واحد.
لماذا يهم “التعريض الواحد”؟ لأن المصانع اليوم، حين تحتاج تفاصيل أدق مما تسمح به الآلة، تلجأ إلى “التنميط المتعدد” (Multi-patterning): تقسيم الطبقة الواحدة إلى عدة تعريضات متتالية مع خطوات حفر وترسيب بينها. كل خطوة إضافية تعني وقتاً أطول، وتكلفة أعلى، وفرصة أكبر للعيوب، وصعوبة أكبر في محاذاة الطبقات. وتقول TrendForce إن High-NA قد تقلل خطوات التنميط المتعدد والعيوب وزمن الدورة والتكلفة.
لكن هناك ثمن هندسي: تستخدم آلات High-NA بصريات “غير متماثلة” (Anamorphic) تكبّر بنسبة مختلفة في كل اتجاه، فيصبح حقل التعريض نصف الحقل التقليدي تقريباً. معنى ذلك أن الرقائق الكبيرة جداً تحتاج إلى “خياطة” تعريضين متجاورين، وهو تحدٍّ جديد في التصميم والتصنيع.
ما معنى “التأهيل المزدوج”؟
اختارت إنتل نهجاً حذراً: كل طبقة مؤهلة للعمل على آلة 0.33 أو آلة 0.55، والرقائق الناتجة قابلة للتبادل. أي أن المصنع لا يعتمد كلياً على الآلة الجديدة. إن تعطلت أو احتاجت ضبطاً، تنتقل الرقاقة إلى الآلة القديمة دون توقف الخط.
رأي: الإعلان أهم كبيانات تشغيل منه كإنجاز تقني
في رأيي، القيمة الحقيقية لهذا الإعلان ليست في أن إنتل “سبقت” منافسيها، بل في أنها بدأت تجمع ما لا يُشترى: بيانات إنتاج حقيقية عن تشغيل آلة جديدة في خط تجاري. زمن التشغيل الفعلي، ومعدل الأعطال، وسلوك المقاومات الضوئية، ودقة المحاذاة بين الطبقات، كلها أشياء لا تظهر في المختبر بل في آلاف الرقائق.
وأرى أن قرار “التأهيل المزدوج” هو أذكى ما في الخبر. إنتل لم تراهن بخط إنتاجها على آلة جديدة، بل أدخلتها تدريجياً بشبكة أمان. هذا درس في إدارة المخاطر الهندسية قبل أن يكون إنجازاً في الفيزياء.
لكن السؤال الاقتصادي يظل مفتوحاً. الآلة الجديدة لا تستحق ثمنها إلا إذا وفرت خطوات تنميط متعدد كافية لتعويض تكلفتها الأعلى وإنتاجيتها التي ما زالت تنمو. ولهذا تتعامل الشركات مع التقنية بجداول زمنية مختلفة: فبحسب TrendForce، تستهدف سامسونج استخدامها في عقدة 1 نانومتر المتوقعة نحو 2030. السباق إذن ليس على “من يملك الآلة أولاً”، بل على “من يعرف متى تصبح مربحة”.
دروس عملية للمهندس
- افهم العلاقة بين الدقة والتكلفة. في التصنيع المتقدم، الحل الأدق ليس دائماً الأفضل. المعيار هو التكلفة لكل رقاقة سليمة، لا الدقة النظرية.
- أدخل التقنية الجديدة بشبكة أمان. فكرة “التأهيل المزدوج” تصلح في أي مصنع: لا تجعل خطك يعتمد على معدة واحدة جديدة قبل أن تثبت موثوقيتها.
- مهارات الطباعة الضوئية وعلوم المواد مطلوبة. هندسة العمليات، والمقاومات الضوئية، والقياس الدقيق (Metrology) تخصصات تزداد قيمتها مع كل عقدة جديدة، وهي مسار مهم لمهندسي الكهرباء والكيمياء والمواد العرب الطامحين لصناعة الرقائق.
- التصميم يتبع التصنيع. تقليص حقل التعريض يعني أن مصممي الرقائق يجب أن يعرفوا قيود الآلة. الفصل بين المصمم ومهندس التصنيع لم يعد ممكناً.
المصادر
- Tom’s Hardware، “Intel becomes the first company to ship high-volume logic chips made with ASML’s High NA EUV” (15 يوليو 2026)
- Tech Times، “Intel Leads Foundry Race With First High-NA EUV Logic Chip in Mass Production” (15 يوليو 2026)
- TrendForce، “ASML Advances High-NA EUV Toward HVM as 10 Systems Reportedly Go Live at 4 Customers” (1 سبتمبر 2026)
