الخليج لا يستطيع استيراد كل خبراء الذكاء الاصطناعي: لماذا المهندس الذي يجيد “ذكاء تخصصه” هو الرهان الأذكى؟
ما الذي حدث؟
في 7 أكتوبر 2026 نشرت مجلة People Matters الشرق الأوسط تقريراً بعنوان يلخص المشكلة: “رهان الخليج على الذكاء الاصطناعي يواجه مشكلة مواهب، لأن خبراء الذكاء الاصطناعي يقاومون الانتقال”. ونقل التقرير عن أمير غرابيتش، الرئيس التنفيذي لمنصة Mahala.ai، أن كثيراً من كبار المتخصصين في البيانات والذكاء الاصطناعي مهتمون بفرص الإمارات والمنطقة، لكنهم لا يرغبون في اقتلاع مسيرات مهنية وحياة أسرية مستقرة.
واستند التقرير إلى أرقام تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي: 86% من أصحاب العمل يتوقعون أن يغير الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة المعلومات أعمالهم بحلول 2030، و63% يرون فجوات المهارات عائقاً رئيسياً أمام التحول، و39% من المهارات الحالية للعاملين ستتغير أو تتقادم بحلول 2030.
الفجوة بالأرقام
قبل ذلك بأشهر، في يوليو 2026، نشرت أوتوديسك تقريرها السنوي عن وظائف الذكاء الاصطناعي في صناعات التصميم والتصنيع، ومنها الهندسة والتشييد. ومن أبرز ما فيه:
- نمو الوظائف: وظائف الذكاء الاصطناعي في هذه الصناعات زادت 147% خلال عامين، و33% خلال العام الأخير.
- ثقة الطلاب: 82% واثقون من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي العامة، لكن 36% فقط واثقون من أدوات تخصصهم.
- ثقة المهنيين: نحو 80% مع الأدوات العامة، مقابل 49% مع أدوات القطاع.
- ما يراه الطلاب مهماً: 65% يرون أن مهارات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالتخصص هي الأهم للحصول على وظيفة جيدة، مقابل 46% للأدوات العامة.
- الحيرة: 56% من الطلاب غير متأكدين من أنهم يتعلمون المهارات الصحيحة.
- العالم المادي: 52% من الطلاب يرون مسارات التصميم والبناء في العالم المادي جذابة في ظل تغير العمل بالذكاء الاصطناعي، مقابل 23% للعمل الرقمي البحت.
وفي 9 يوليو 2026 أطلق معهد إدارة المشاريع (PMI) النسخة المحدثة من امتحان PMP، وفيها يظهر الذكاء الاصطناعي جزءاً من سياق المشروع لا موضوعاً مستقلاً، إذ قد تتضمن الأسئلة أدوات مثل لوحات المتابعة، ويُطلب من المرشح تقييم الأدوات وموازناتها. وارتفع وزن مجال “بيئة الأعمال” من 8% إلى 26%. وقال المعهد إن شهادات PMP الممنوحة ارتفعت 36% في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ما الفرق بين الذكاء العام وذكاء التخصص؟ شرح مبسط
استخدام مساعد ذكي لكتابة بريد إلكتروني أو تلخيص تقرير مهارة عامة يتقنها الجميع تقريباً. أما ذكاء التخصص فهو أن تعرف كيف تستخدم نموذج تعلم آلي للتنبؤ بأعطال المضخات من بيانات الاهتزاز، أو أداة توليد تصميم لتحسين شكل عنصر إنشائي، أو نموذجاً يكتشف تسرب المياه من بيانات العدادات. هذا يتطلب أمرين معاً: فهم الأداة، وفهم الظاهرة الهندسية التي تعالجها.
والأهم أن ذكاء التخصص يحتاج إلى حكم هندسي على النتيجة. النموذج قد يقترح تصميماً أخف وزناً، لكن المهندس هو من يسأل: هل يمكن تصنيعه؟ هل يتحمل الأحمال الاستثنائية؟ هل يطابق الكود؟
رأي: لا تنتظروا الخبير المستورد، اصنعوا المهندس الهجين
أرى أن تقرير 7 أكتوبر يحمل رسالة أهم مما يبدو. إذا كان كبار خبراء الذكاء الاصطناعي لا يريدون الانتقال، فالحل ليس رفع الرواتب لإقناعهم، بل تحويل المهندسين الموجودين في المنطقة إلى مستخدمين متقدمين للذكاء الاصطناعي في تخصصاتهم. فالمنطقة تملك ما لا يملكه الخبير المستورد: مهندسين يعرفون محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء والمشاريع الضخمة من الداخل.
وأرقام أوتوديسك تقول إن هذه الفجوة بالذات، بين 82% و36%، هي حيث تقع الفرصة. المهندس الذي ينتقل من “أستخدم الذكاء الاصطناعي في الكتابة” إلى “أستخدمه في حل مشكلة هندسية حقيقية” ينتقل من مهارة يملكها الجميع إلى مهارة يملكها قلة.
ولا أقلل هنا من حاجة المنطقة إلى باحثين متخصصين في الذكاء الاصطناعي، فهؤلاء يبنون النماذج نفسها. لكن عدد من يبنون النماذج سيبقى صغيراً في كل مكان، بينما عدد من يحتاجون إلى تطبيقها على مشكلات هندسية حقيقية كبير جداً. وهذه الشريحة الثانية هي التي يمكن للجامعات والشركات في المنطقة أن تصنعها بسرعة، من مهندسيها الحاليين، دون انتظار أحد.
وتحديث PMP يؤكد أن الشهادات المهنية نفسها تتغير في هذا الاتجاه: لم يعد كافياً أن تعرف الأداة، بل أن تقيّمها وتعرف حدودها داخل مشروع حقيقي.
دروس عملية للمهندس
- اختر مشكلة لا أداة: ابدأ بمشكلة متكررة في عملك، مثل تقدير الكميات أو جدولة الصيانة أو مراجعة المخططات، ثم ابحث عن الأداة المناسبة لها.
- تعلم أساسيات البيانات: تنظيف البيانات وتحليلها بلغة مثل بايثون مهارة تفتح الباب لكل أدوات الذكاء الاصطناعي في أي تخصص.
- وثّق النتيجة بالأرقام: مشروع صغير خفض وقت مهمة بنسبة 30% أقوى في سيرتك من عشر شهادات في الذكاء الاصطناعي العام.
- حدّث شهاداتك وفق نسخها الجديدة: إن كنت تستعد لـPMP أو غيرها، فادرس على النسخة المحدثة التي تتضمن الذكاء الاصطناعي في سياق المشروع.
- احتفظ بالحكم الهندسي: كل مخرج من نموذج ذكي يحتاج مراجعة مهندس؛ اجعل هذه المراجعة مهارتك المميزة، لا عبئاً تتخلص منه.
المصادر
- People Matters الشرق الأوسط، “The Gulf’s AI bet faces a talent problem as AI experts resist relocation: WEF Report” (7 أكتوبر 2026)
- أوتوديسك، “2026 AI Jobs Report” (13 يوليو 2026)
- PMI، “In an AI Economy, Judgment Is the New Job Security” (9 يوليو 2026)
- PMI، “PMP Exam Change: What It Means in 2026” (10 يوليو 2026)
