صيف الخمسين درجة: الكويت خفضت ذروة الكهرباء رغم الحر والهجمات، فهل التكيف أرخص من التوسع؟
ماذا حدث؟
في الأول من أغسطس 2026 سجل المركز الوطني للأرصاد في الإمارات 50.0 درجة مئوية في منطقة الشوامخ بأبوظبي، مع توقعات بأن تقترب الحرارة من 50 درجة أو تتجاوزها في الكويت وشرق السعودية وبغداد، ضمن قبة حرارية تؤثر في نحو عشر دول عربية. وفي 14 أغسطس أعلنت هيئة الأنواء الجوية العراقية ارتفاعاً “كبيراً وخطيراً” في الحرارة في 11 محافظة، بقراءات بين 48 و50 درجة.
وفي 15 سبتمبر نشرت صحيفة عرب تايمز تصريحات وزير الكهرباء والماء الكويتي عن حصيلة الصيف: الحمل الأقصى للشبكة بلغ 17,540 ميجاوات، أي أقل بـ 70 ميجاوات من صيف 2025، وهي السنة الثانية على التوالي التي ينخفض فيها الحمل الأقصى.
الأرقام
- 17,640 ميجاوات حمل الذروة في صيف 2024، ثم 17,610 في 2025، ثم 17,540 في 2026.
- 2,078 ميجاوات أحمال جديدة أضيفت إلى الشبكة خلال سنتين (1,059 ثم 1,019).
- ساعة واحدة خفض في دوام الجهات الحكومية، مع تقليص خطوط الإنتاج في المصانع خلال ساعات الذروة من 14 مايو حتى بدء العام الدراسي.
- هجمات خلال الصيف أصابت محطات توليد وتحلية وخزانات وقود وخطوط نقل هوائية، وأخرجت وحدات من الخدمة وأجلت أعمال صيانة دورية، بحسب الوزير.
- في التوقعات الإقليمية: حذر المتنبئون من “حرارة شديدة طويلة وليال دافئة على غير العادة”، ما يرفع خطر الإجهاد الحراري على العمال في الخارج وكبار السن.
شرح مبسط: لماذا الذروة هي الرقم الذي يهم؟
شبكة الكهرباء لا تصمم على متوسط الاستهلاك، بل على أعلى ساعة في السنة. في دول الخليج تأتي هذه الساعة عادة في عصر يوم شديد الحر من يوليو أو أغسطس، وأغلبها أحمال تكييف. كل ميجاوات في الذروة يحتاج قدرة توليد ونقل وتوزيع واحتياطياً، حتى لو لم يستخدم إلا ساعات قليلة في السنة.
لذلك فإن خفض الذروة 70 ميجاوات مع إضافة نحو ألف ميجاوات من الأحمال الجديدة سنوياً يعني أن “الذروة الفعلية المتوقعة” كانت ستكون أعلى بكثير لولا الإجراءات. والأدوات المستخدمة بسيطة: إزاحة ساعات العمل، وتأجيل الإنتاج الصناعي، وتوعية المستهلكين. وتفسير الوزير أن الانخفاض يعكس “تحسن كفاءة الاستهلاك”.
رأي: التكيف مع الحر مشروع هندسي، لا حملة إعلانية
الرأي السائد في المنطقة أن مواجهة الصيف الأشد تعني بناء محطات أكبر. وهذا ضروري جزئياً، لكن رقم الكويت يقول شيئاً مهماً: ساعة دوام واحدة، وخطوط إنتاج مؤجلة، وحملة “وفّر”، حققت في الذروة ما كان سيحتاج قدرة توليد جديدة وقتاً طويلاً لبنائها. وفي صيف تعرضت فيه المحطات لهجمات، كان هذا الهامش هو ما أبقى الشبكة صامدة.
لكن لدي تحفظان على الاحتفال بالرقم. الأول أن جزءاً من الانخفاض جاء من تقليص نشاط المصانع، وهذا تكيف له كلفة اقتصادية لا تظهر في فاتورة الكهرباء. الثاني أن الإجراءات التشغيلية تتكرر كل صيف ولا تتراكم. التكيف الحقيقي هو الذي يبقى بعد انتهاء الحملة: عزل حراري في الجدران والأسقف، وزجاج مظلل، وتكييف أعلى كفاءة، ومبان مصممة لتقليل الكسب الشمسي.
والتحذير من “الليالي الدافئة” يكمل الصورة. حين لا تبرد المدينة ليلاً، لا تبرد المباني أيضاً، فيبدأ التكييف يومه التالي من نقطة أعلى. وهذا يجعل ظل الشوارع والمسطحات العاكسة ومواد الأسطح قرارات تخطيطية لها أثر مباشر في الشبكة، لا تفاصيل جمالية. ورأيي أن كل ميجاوات يُوفر عبر غلاف المبنى أرخص وأسرع وأقل عرضة للهجوم من ميجاوات يُبنى في محطة.
لماذا يعنينا هذا عربياً؟
العراق نموذج معاكس: 11 محافظة تحت 48 إلى 50 درجة، وشبكة تعاني أصلاً. وفي مصر توقعت الأرصاد 43 إلى 46 درجة في جنوب الصعيد. مدننا العربية ستعيش صيفاً أطول وأشد، والسؤال ليس هل نبني محطات، بل هل نصمم مدناً تحتاج محطات أقل.
ما الذي يجب أن نقيسه في الصيف القادم؟
إذا أردنا أن نعرف هل تكيفت مدننا فعلاً، فلا يكفي أن نعلن الحمل الأقصى كل سبتمبر. نحتاج ثلاثة أرقام إضافية على الأقل. الأول: الحمل الأقصى مصححاً بدرجة الحرارة، حتى نعرف هل انخفض لأن الصيف كان أرحم أم لأن المباني أصبحت أكفأ. الثاني: نصيب المباني الجديدة من الحمل مقارنة بالقديمة، لنعرف هل تطبق اشتراطات العزل فعلاً. والثالث: عدد الساعات التي اقتربت فيها الشبكة من حدها، لأن ساعة واحدة حرجة قد تكون أخطر من متوسط مريح.
ومن المهم أيضاً أن نفصل أثر الإجراءات المؤقتة عن الدائمة. فإذا عادت المصانع إلى طاقتها الكاملة في الصيف القادم، وعاد الدوام إلى ساعاته، فهل ستعود الذروة إلى الارتفاع؟ الجواب الصادق على هذا السؤال هو الذي يحدد هل نحتاج محطات جديدة أم مبان أفضل.
دروس عملية للمهندس
- صمم للذروة لا للمتوسط. في حسابات أحمال التبريد، اختبر أثر ساعات الذروة الفعلية في الصيف والليالي الدافئة على اختيار المعدات.
- غلاف المبنى أولاً. قبل زيادة سعة التكييف، راجع العزل والتظليل ونسبة الزجاج. هذه القرارات تخفض الحمل طوال عمر المبنى.
- فكر في المرونة التشغيلية. المصانع والمباني القادرة على إزاحة جزء من حملها خارج الذروة (بتخزين برودة أو جدولة) أكثر قيمة للشبكة.
- احم العاملين في الموقع. حرارة 50 درجة مع ليال لا تبرد تعني أن جدولة العمل والاستراحات جزء من خطة السلامة، لا من حسن النية.
المصادر
- Arab Times، “Kuwait’s grid holds despite Iran attacks, record summer heat” (15 سبتمبر 2026)
- Gulf News، “UAE Temperatures Hit 50°C as Middle East Heatwave Intensifies Across Gulf and Levant” (1 أغسطس 2026)
- Global Arab Network، “Iraq Faces Extreme Heatwave with Temperatures Reaching 50°C” (14 أغسطس 2026)
