رأي

الهندسة من 86.41%: مجموع الثانوية يقيس الزحام على الباب، لا جودة المهندس الذي سيخرج منه

ماذا حدث؟

في مؤتمر صحفي يوم الإثنين 10 أغسطس 2026 أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة نتيجة المرحلة الأولى من تنسيق الجامعات، بحضور القائم بأعمال رئيس قطاع التعليم المشرف على مكتب التنسيق، والمتحدث الرسمي للوزارة. وجاء الحد الأدنى لكليات الهندسة لطلاب شعبة علمي رياضيات بالنظام الحديث 276.5 درجة، أي 86.41%.

ووفقاً للنتيجة، لم تعد هناك أماكن في كليات الهندسة الحكومية لطلاب المرحلة الثانية. وكان تسجيل الرغبات للمرحلة الأولى قد جرى بين 5 و9 أغسطس عبر البوابة الإلكترونية دون مد.

الأرقام

  • 276.5 درجة (86.41%) الحد الأدنى لكليات الهندسة، وهو حد للدخول إلى المنظومة، ولا يضمن القبول في أي كلية بعينها، إذ يتوقف ذلك على الرغبات والتوزيع الجغرافي وعدد المقاعد.
  • 16,046 طالباً من شعبة علمي رياضيات تقدموا في المرحلة الأولى بالنظام الحديث، بحد أدنى للشعبة 275.5 درجة (86.09%).
  • 94,767 طالباً إجمالي المتقدمين بالنظام الحديث في المرحلة الأولى في الشعب الثلاث.
  • صفر مقاعد هندسة حكومية متبقية للمرحلة الثانية.

شرح مبسط: ماذا يقيس الحد الأدنى فعلاً؟

الحد الأدنى للتنسيق ليس معياراً تضعه الكلية لمستوى الطالب المطلوب، بل نتيجة حسابية: يُرتب الطلاب بمجاميعهم، وتُوزع المقاعد المتاحة بحسب رغباتهم، ويكون الحد الأدنى هو مجموع آخر طالب حصل على مقعد. لذلك يتغير كل عام تبعاً لثلاثة عوامل لا علاقة لها بجودة الهندسة: عدد الطلاب في الشعبة، وتوزيع درجاتهم (أي صعوبة الامتحان)، وعدد المقاعد المطروحة.

إذا كان الامتحان أصعب، ينخفض الحد الأدنى دون أن يتغير مستوى الطلاب النسبي. وإذا زادت المقاعد، ينخفض أيضاً. وإذا انصرف بعض المتفوقين إلى كليات أخرى، ينخفض. والعكس صحيح.

رأي: نراقب الباب وننسى ما خلفه

كل صيف يتحول هذا الرقم إلى مؤشر على “قيمة” كلية الهندسة، ارتفاعه فخر وانخفاضه قلق. وأرى أن هذا خطأ في القياس. الحد الأدنى يقول لنا كم كان الزحام على الباب، لكنه لا يقول شيئاً عن جودة المعامل، ولا عن عدد ساعات التدريب الميداني، ولا عن نسبة الخريجين الذين يعملون في الهندسة بعد سنة، ولا عن قدرتهم على اجتياز اختبار مهني.

والمفارقة أن هذه هي الأرقام التي تهم فعلاً، وهي غائبة تقريباً عن النقاش العام. الطالب وأسرته يختاران كلية بناء على مجموع آخر من دخلها، لا على ما سيتعلمه فيها. والطالب الذي دخل الهندسة بـ 87% وتعلم في كلية بمعامل جيدة وتدريب صيفي حقيقي ومشروع تخرج مع شركة، أفضل غالباً من زميل دخل بـ 95% إلى قاعات مكتظة ومحاضرات نظرية.

ورأيي أن الخطوة الأهم ليست رفع الحد الأدنى أو خفضه، بل أن تنشر كل كلية هندسة، حكومية وخاصة وأهلية، مؤشرات مخرجاتها سنوياً: نسبة الطلاب إلى أعضاء هيئة التدريس، وعدد ساعات التدريب العملي، ونسبة البرامج المعتمدة، ونسبة التوظيف في التخصص. حين يرى الطالب هذه الأرقام بجانب الحد الأدنى، سيتغير السؤال من “هل مجموعي يكفي للهندسة؟” إلى “أي هندسة ستجعلني مهندساً أفضل؟”.

ولا أقلل من أهمية التنافس على الدخول؛ فالهندسة تحتاج أساساً قوياً في الرياضيات والفيزياء. لكن الأساس شرط لازم لا كاف. والمهنة لا تسأل المهندس بعد عشر سنوات عن مجموع الثانوية، بل عن جودة تصميمه وسلامة قراراته.

وماذا عن سوق العمل؟

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن سؤال سوق العمل. فالطالب يدخل الهندسة اليوم ليتخرج بعد خمس سنوات في سوق ستكون قد تغيرت. وما يحميه حينها ليس اسم الكلية ولا مجموعها، بل مهارات التصميم والتحليل والتواصل والعمل الميداني التي اكتسبها. والكلية التي تبني هذه المهارات تستحق أن تكون الخيار الأول، حتى لو كان حدها الأدنى أقل من غيرها.

ماذا عن الكليات التي ليست في التنسيق؟

امتلاء كليات الهندسة الحكومية في المرحلة الأولى يعني أن آلافاً من الطلاب الراغبين في الهندسة سيتجهون إلى الجامعات الخاصة والأهلية والمعاهد العليا. وهنا تصبح مؤشرات المخرجات أكثر أهمية، لأن هذه المؤسسات متفاوتة جداً، والأسرة التي تدفع رسوماً كبيرة تستحق أن تعرف ماذا تشتري.

وأقترح أن تتبنى الجهات المسؤولة عن الاعتماد والجودة صفحة موحدة لكل برنامج هندسي في البلاد، حكومي أو خاص، تعرض عدد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وحالة الاعتماد ونتائج متابعة الخريجين. مثل هذه الصفحة لا تكلف الكثير، لكنها تنقل المنافسة بين الكليات من الإعلانات إلى الجودة.

دروس عملية للطالب والمهندس

  1. للطالب الجديد: لا تختر الكلية بالحد الأدنى وحده. اسأل عن المعامل، والتدريب الصيفي، واعتماد البرامج، ونسبة الطلاب إلى الأساتذة.
  2. اختر القسم بعقل المهنة. بعد السنة الإعدادية، فكر في القسم الذي يناسب قدراتك وسوق العمل، لا في القسم الأعلى تنسيقاً.
  3. التدريب يصنع الفارق. ابدأ التدريب الميداني مبكراً حتى لو لم يكن إلزامياً، ووثق ما تعلمته.
  4. للمهندسين الممارسين: شاركوا في الإشراف على مشاريع التخرج والتدريب. جودة التعليم الهندسي مسؤولية المهنة كلها لا الجامعة وحدها.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *