29 ألف مهندس كل عام وسوق لا يحتاج إلا ثلثيهم: ماذا يعني تحذير نقابة المهندسين من تنسيق 64%؟
ما الذي حدث؟
في 19 سبتمبر 2026 قال المهندس رضا الشافعي، وكيل نقابة المهندسين المصرية، في لقاء إعلامي، إن خفض الحد الأدنى للقبول في بعض كليات ومعاهد الهندسة هذا العام “جرس إنذار بشأن مستقبل المهنة وسوق العمل الهندسي”. وبحسب ما نقله موقع القاهرة 24، فوجئت النقابة بوصول الحد الأدنى في بعض المؤسسات إلى 64% و67%، بينما يدور الحد الأدنى في بعض الجامعات الحكومية حول 86%.
وبعد أربعة أيام، في 23 سبتمبر، عاد النقيب الدكتور محمد عبد الغني إلى الملف نفسه في تصريحات تلفزيونية، فقال إن بعض الإحصاءات تشير إلى بطالة بين المهندسين تتراوح بين 20% و30%، رغم وجود وظائف هندسية لا تجد من يشغلها، بسبب عدم التوافق بين تخصصات الخريجين واحتياجات السوق.
الأرقام كما أعلنتها النقابة
- عدد المؤسسات: نحو 152 مؤسسة للتعليم الهندسي بين جامعات حكومية وخاصة وأهلية ومعاهد خاصة، بحسب الشافعي. ويقدّرها النقيب بنحو 150 مؤسسة، ويقول إن أعداد أعضاء هيئة التدريس لم تنمُ بالوتيرة نفسها.
- الخريجون: نحو 29 ألف مهندس سنوياً، ونحو 30 ألفاً إذا أُضيف خريجو البرامج المصرية في الخارج.
- الهدف الذي كانت تطلبه النقابة: ألا يتجاوز عدد الخريجين نحو 20 ألفاً في السنة.
- حجم الفائض: تقول النقابة إن الأعداد تزيد على احتياجات السوق بنحو 50%، وإنها تعمل مع “معهد البحوث”، كما ورد في التصريح، لتحديد الاحتياج الفعلي.
- المقارنة التاريخية: يقول النقيب إن الدفعة كانت قديماً تراوح بين 9 و10 آلاف طالب، وإن إحصاءً من عام 2019 أشار إلى نحو 200 ألف طالب في كليات الهندسة، منهم نحو 100 ألف في الهندسة المدنية.
- التنسيق الحكومي: بحسب بوابة الأهرام في 5 أغسطس، بلغ الحد الأدنى للمرحلة الأولى لشعبة علمي رياضيات، وهي الشعبة التي تضم كليات الهندسة، 275.5 درجة أي 86.09%.
وتطلب النقابة هذا العام فارقاً يقارب 10% بين الحدود الدنيا للجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد، على أن يضيق في العام التالي.
لماذا يهم الحد الأدنى للقبول؟ شرح مبسط
الحد الأدنى في التنسيق ليس مقياساً للذكاء، لكنه مؤشر على أمرين: مستوى الطالب في الرياضيات والفيزياء عند الدخول، وحجم الطلب على المقاعد مقارنة بعددها. حين تزيد المقاعد بسرعة أكبر من زيادة أعضاء هيئة التدريس والمعامل، يحدث ما يشبه “التحميل الزائد” في منظومة هندسية: يمكنك دفع مزيد من التيار في الموصل نفسه، لكن الحرارة ترتفع والكفاءة تنخفض.
والنقيب نفسه أشار إلى أن الأزمة “لا تتعلق فقط بأعداد الخريجين وإنما أيضاً بمدى تأهيلهم”، وضرب مثلاً بالمملكة المتحدة، حيث لا تكفي الشهادة للممارسة المستقلة، بل يمر الخريج بسنة إلى ثلاث سنوات من التدريب تحت الإشراف ثم يستوفي متطلبات مهنية أو اختبارات.
ويمكن قراءة أرقام النقابة بحساب بسيط: إذا كان السوق يستوعب نحو 20 ألف مهندس جديد سنوياً، ويتخرج نحو 29 ألفاً، فإن نحو 9 آلاف خريج كل عام يدخلون سوقاً لا يحتاجهم في تخصصاتهم الحالية. وبعد خمس سنوات فقط يتراكم عشرات الآلاف، وهو ما يفسر قلق النقابة من استمرار الوتيرة الحالية، ولماذا يتحدث النقيب عن ضرورة إعادة تنظيم سوق المهنة.
رأي: المشكلة في التوزيع قبل العدد
أتفق مع النقابة في أن الأرقام مقلقة، لكنني أظن أن التركيز على العدد الإجمالي وحده يخفي المشكلة الأهم. النقيب يقول إن هناك وظائف هندسية لا تجد من يشغلها، وإن بعض التخصصات مكتظة. معنى ذلك أن السوق لا يعاني من “كثرة المهندسين” بقدر ما يعاني من سوء توزيعهم على التخصصات والمستويات.
خفض أعداد المقبولين قد يحسن الوضع بعد خمس سنوات، لكنه لا يساعد طالباً دخل الكلية هذا العام، ولا خريجاً عاطلاً اليوم. الحل الأسرع في رأيي هو نشر بيانات التوظيف لكل برنامج: كم من خريجي هذا القسم في هذه الجامعة يعمل في مجاله بعد عام؟ هذه الأرقام وحدها كفيلة بأن تغير اختيارات الأسر أكثر من أي حد أدنى، وأتمنى أن تكون جزءاً من الدراسة التي تعدها النقابة لتحديد الاحتياج الفعلي.
كما أن الفارق الكبير بين 86% و64% يعني عملياً أن عنوان “بكالوريوس الهندسة” لم يعد إشارة واحدة. صاحب العمل سيبدأ، إن لم يكن قد بدأ، في التمييز بين البرامج، والطالب الذي لا يعرف ذلك اليوم سيكتشفه عند أول مقابلة عمل.
دروس عملية للمهندس والطالب
- اختر البرنامج لا الاسم. قبل الالتحاق، اسأل عن عدد أعضاء هيئة التدريس المتفرغين في القسم، والمعامل الفعلية، وأين يعمل خريجو آخر ثلاث دفعات.
- التخصص الدقيق هو ميزتك. إذا كنت في تخصص مكتظ كالمدني، فاختر مبكراً مجالاً دقيقاً تُعرف به، مثل الجيوتقنية أو تصميم المنشآت المعدنية أو إدارة العقود.
- التدريب الصيفي ليس اختيارياً. في سوق فائض، الخبرة الموثقة قبل التخرج هي الفرق بين سيرة ذاتية تُقرأ وأخرى تُهمل.
- ابنِ دليلاً على كفاءتك. مشروع تخرج حقيقي، ونماذج عمل على برامج التصميم، وشهادات تخصصية، كلها تعوّض صاحب العمل عن عدم ثقته في الشهادة وحدها.
- فكّر في السوق الإقليمي مبكراً. أنظمة الاعتماد في الخليج تطلب تعليماً معتمداً وخبرة وامتحاناً، فابدأ بتجهيز ملفك على هذا الأساس.
المصادر
- القاهرة 24، “وكيل نقابة المهندسين: 29 ألف خريج سنويًا يزيدون على احتياجات سوق العمل بنحو 50%” (19 سبتمبر 2026)
- القاهرة 24، “نقيب المهندسين: نسب البطالة بين المهندسين تصل إلى 30%.. وضرورة إعادة تنظيم سوق المهنة” (23 سبتمبر 2026)
- بوابة الأهرام، “مؤشرات كليات الطب والهندسة بتنسيق الجامعات 2026” (5 أغسطس 2026)
