رأي

انهيار جسر أولد تاون في ماين: المادة الجديدة لم تسقط وحدها، بل سقطت معها ثقتنا بمرحلة الصب

ماذا حدث؟

في 13 أغسطس 2026، نحو الساعة 1:43 ظهراً، انهار البحر الأول من جسر “لويلين إستس” الشمالي الجديد فوق نهر ستيلووتر في مدينة أولد تاون بولاية ماين، بينما كان العمال يصبون الخرسانة لبلاطة السطح. لم يكن الجسر مفتوحاً للمرور، وأصيب عامل بكسر في الكاحل وعاملان آخران بإصابات طفيفة. الجسر المؤقت الذي يحمل حركة المرور بجانبه لم يتأثر، وأثبت فحص احترازي سلامته.

الجسر يحل محل جسر بني عام 1952 وتراوح تقييمه في الفحوص بين “سيئ” و”خطير” بسبب التآكل وفقدان الخرسانة وتسرب المياه. والجديد في المشروع أنه يستخدم عوارض صندوقية (tub girders) من البوليمر المقوى بالألياف (FRP)، طورها مركز الهياكل والمواد المركبة في جامعة ماين، وصنعتها شركة Basalt International محلياً.

في 24 سبتمبر أعلنت إدارة النقل في ماين (MaineDOT) أنها ستكمل الجسرين في الموقع بعوارض فولاذية تقليدية، معتبرة ذلك الخيار الأسرع بالنظر إلى الركائز القائمة. وأكدت أن هذا القرار “لا يحدد سبب الانهيار ولا المسؤول عنه”.

الأرقام والوقائع

  • نحو 150 قدماً (قرابة 46 متراً) طول البحر الجديد الذي انهار جزؤه الأوسط في النهر.
  • ربع وزن الفولاذ تقريباً هو وزن هذه العوارض المركبة بحسب مركز الجامعة، مع وعد بخدمة 100 عام أو أكثر بصيانة قليلة أو معدومة.
  • جسران سابقان استخدما التقنية نفسها في ولاية ماين: جسر Grist Mill (2021) وجسر Twin Bridge (2022)، وتقول الإدارة إنهما آمنان ويفحصان كل سنتين.
  • ملاحظة أولية: العارضة الخارجية في الجهة المقابلة لاتجاه التيار انبعجت (buckled)، ثم تبعتها العوارض المجاورة في انهيار متتابع. تأكيد ذلك يحتاج إلى نمذجة بالعناصر المحدودة واختبارات جنائية.
  • حادثة سابقة: قبل الانهيار، انقلبت عوارض البحر الثاني بفعل الرياح وأصيبت بأضرار شكلية، وأصلحت بموافقة المصمم والمصنع.
  • استعانت الإدارة بمركز Turner-Fairbank البحثي التابع لإدارة الطرق الفيدرالية لمراجعة مستقلة، كما تحقق إدارة السلامة المهنية (OSHA).

شرح مبسط: لماذا يكون الجسر أضعف ما يكون أثناء الصب؟

في الجسر المكتمل، تعمل البلاطة الخرسانية المتصلبة مع العوارض كمقطع مركب واحد، فتمنع العارضة من الالتواء الجانبي. لكن أثناء الصب تحمل العوارض وحدها وزن الخرسانة الطرية والقوالب والعمال والمعدات، دون أن تكون البلاطة قد اكتسبت أي مقاومة. وقد عبّر عن ذلك جيف فولسوم، مساعد مدير تطوير المشاريع في الإدارة، بقوله إن الجسر “ربما يكون في أضعف حالاته” في هذه اللحظة.

والعوارض الخارجية تحديداً تتعرض لحمل غير متماثل، لأن جزءاً من البلاطة يبرز خارجها كظفر (overhang) وتعلّق عليه القوالب. هذا يولد عزماً التوائياً يميل بالعارضة إلى الخارج. وفي الفولاذ نعرف هذه الظاهرة جيداً ولدينا تفاصيل تقليدية لمقاومتها، مثل الكمرات العرضية المؤقتة. أما في المواد المركبة ذات الجدران الرقيقة والمعامل المرن الأقل من الفولاذ، فإن الانبعاج الموضعي والجانبي قد يحكمان التصميم قبل أن تقترب المادة من مقاومتها القصوى.

رأي: لا تحاكموا المادة، حاكموا الطريق من المختبر إلى الموقع

من السهل أن نقرأ الخبر هكذا: مادة جديدة فشلت، فلنعد إلى الفولاذ. وهذا تقريباً ما فعلته الإدارة عملياً، ولها عذرها: مشروع متأخر، وجسر قديم سيئ الحالة، ومواطنون ينتظرون. لكنني أرى أن الخلاصة الصحيحة مختلفة.

أولاً، الفشل وقع في المرحلة الأقل اختباراً. العوارض المركبة في الجسرين السابقين اجتازت اختبارات ما بعد الإنشاء وتعمل جيداً. لكن هذا الجسر أطول، والتقنية بهذا الحجم وصفها مسؤولو الولاية بأنها “طريقة تجريبية”. حين ننقل تقنية من بحر صغير إلى بحر أكبر، فإن أخطر ما يتغير ليس سلوكها تحت حركة المرور، بل سلوكها وهي عارية تحت الخرسانة الطرية والرياح.

ثانياً، كانت هناك إشارة مبكرة. انقلاب عوارض البحر الثاني بفعل الرياح لا يثبت علاقة بالانهيار، والإدارة نفسها لم تربط بينهما. لكنه يقول شيئاً عن الاستقرار الجانبي لعناصر خفيفة جداً قبل تثبيتها. العنصر الذي يزن ربع نظيره الفولاذي هو أيضاً عنصر تحركه الرياح بسهولة أكبر.

ثالثاً، حذف الفيديو الترويجي للمشروع من يوتيوب بعد ساعات من الانهيار تصرف مفهوم، لكنه يكشف المشكلة: حين تكون الجامعة مطوّرة التقنية والجهة المروّجة لها في الوقت نفسه، يصبح التحقيق المستقل ضرورة لا ترفاً. والاستعانة بالمركز الفيدرالي خطوة صحيحة.

ورأيي أن التخلي عن العوارض المركبة في هذا المشروع قرار عملي سليم، أما التخلي عنها كتقنية فسيكون خسارة. الجسور العربية الساحلية في الخليج والبحر الأحمر تعاني من التآكل بالكلوريدات بالضبط كما عانى جسر 1952 في ماين. والمواد المقاومة للتآكل جزء من الحل. لكن شرط تبنيها أن نختبر “حالة الإنشاء” بالصرامة نفسها التي نختبر بها “حالة الخدمة”.

دروس عملية للمهندس

  1. صمم مرحلة الصب كحالة تحميل مستقلة. احسب العوارض الخارجية تحت حمل الظفر والقوالب والمعدات قبل تصلب البلاطة، وتحقق من الانبعاج الجانبي الالتوائي لا من الانحناء فقط.
  2. التقنية الجديدة تحتاج تدرجاً في الأبعاد. النجاح في بحر قصير لا ينقل تلقائياً إلى بحر أطول؛ اطلب اختبار نموذج بالحجم الكامل لحالة الإنشاء.
  3. لا تتجاهل “الحوادث الصغيرة”. انقلاب عنصر بفعل الرياح أثناء التركيب معلومة هندسية، يجب أن تراجع على مستوى التصميم لا الإصلاح فقط.
  4. افصل بين المطوّر والمراجع. في أي مشروع يستخدم تقنية يملكها طرف مشارك، اطلب مراجعة مستقلة لتصميم مرحلة الإنشاء.
  5. وثّق كل شيء. ما سيحدد السبب في ماين هو بيانات الموقع والصور وسجلات الصب. السجل الجيد يحمي المهندس الأمين.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *