رأي

الأمن المائي في الخليج: لا تسألوا كم نحلّي في اليوم، اسألوا كم يوماً نصمد

ماذا حدث؟

في 11 أغسطس 2026 نشرت عرب نيوز، نقلاً عن مجلة المجلة، مسحاً موسعاً بعنوان “سباق الخليج نحو الأمن المائي”. جمع المسح أرقام الاعتماد على التحلية ومشاريع التخزين في دول المجلس الست، وأشار إلى أن ضربات إيرانية خلال الحرب أصابت مدينة راس لفان الصناعية وخزاناً في محطة مسيعيد للطاقة في قطر. ونقل عن رئيس الوزراء القطري أن البلاد كانت ستنفد مياهها خلال ثلاثة أيام لولا مشروع الخزانات الاستراتيجية.

وكانت تقارير سابقة في مارس، منها تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) نشره موقع Circle of Blue، ومقال في MIT Technology Review في أبريل، قد حذرت من أن منظومة التحلية الخليجية مكشوفة أمام الهجمات المادية والسيبرانية.

الأرقام

  • أكثر من نصف سعة التحلية في العالم موجودة في دول الخليج، عبر أكثر من 400 محطة، وتنتج نحو 40% من المياه المحلاة عالمياً.
  • حصة التحلية من مياه الشرب: قطر 99%، البحرين أكثر من 90%، الكويت 90%، عُمان 86% (وفق عرب نيوز).
  • نحو ثلاثة أرباع محطات التحلية في المنطقة مدمجة مع محطات توليد الكهرباء أو ملاصقة لها.
  • متوسط حجم المحطة أصبح نحو عشرة أضعاف ما كان عليه قبل 15 عاماً، وأكبرها ينتج مليون متر مكعب يومياً.
  • التخزين: استراتيجية الإمارات 2036 توفر نحو يومين من الطلب الوطني في الظروف العادية، و16 إلى 45 يوماً تحت ترشيد شديد، بحسب تحليل CSIS.
  • مشاريع جديدة: مشروع لهيئة كهرباء ومياه دبي لتخزين المياه المحلاة في الطبقات الجوفية يكفي نحو 90 يوماً في الطوارئ، وخطة قطرية مشابهة لاحتياطي 90 يوماً، و24 خزاناً قطرياً بخطوط أنابيب طولها 650 كم، وخمسة خزانات جديدة غرب الرياض في يوليو 2026 بسعة 180 ألف متر مكعب.

شرح مبسط: لماذا التحلية “سلسلة” وليست مصدراً؟

النهر أو الخزان الجوفي مصدر يبقى موجوداً إذا تعطلت مضخة. أما محطة التحلية فسلسلة مترابطة: مأخذ مياه بحر، ثم معالجة أولية، ثم مضخات ضغط عال وأغشية أو مبخرات، ثم كهرباء تشغل كل ذلك، ثم خطوط نقل وخزانات توزيع. توقف أي حلقة يوقف السلسلة كلها.

والتاريخ يعطينا أمثلة دون حروب: في 2008 و2009 أغلق المد الأحمر الطحلبي محطات في عُمان والإمارات لأسابيع وصلت إلى شهرين. وفي 1991 هدد النفط المسكوب مآخذ المحطات في الكويت والسعودية. ومحطات التناضح العكسي الحديثة أكثر حساسية لانسداد الأغشية من المحطات الحرارية القديمة.

رأي: التوسع في السعة دون التخزين يضاعف الهشاشة

أفهم منطق المحطات العملاقة: كلفة المتر المكعب أقل، والتشغيل أبسط، والعقود أسهل. لكن الاتجاه نحو محطات أكبر وأقل عدداً، ومدمجة مع الكهرباء، يعني أن ضربة واحدة أو موجة طحالب واحدة تخرج حصة أكبر من الإمداد. نحن نحسّن الكفاءة ونخسر التوزع.

لذلك أرى أن الرقم الذي يجب أن يعلن مع كل خطة مائية هو “أيام الصمود”: كم يوماً تستطيع المدينة أن تعيش إذا توقفت أكبر محطتين فيها؟ حين يكون الجواب يومين، فإن أي حديث عن ملايين الأمتار المكعبة يومياً يصبح مطمئناً أكثر مما ينبغي.

والخبر الجيد أن المنطقة بدأت تتحرك في الاتجاه الصحيح. تخزين المياه المحلاة في الطبقات الجوفية في دبي وقطر فكرة ذكية، لأن الخزان الجوفي محمي ورخيص نسبياً مقارنة بخزانات خرسانية بالحجم نفسه. وهدف الإمارات إعادة استخدام 95% من المياه المعالجة يحول مياه الصرف إلى مصدر محلي لا يعتمد على البحر.

لكنني أضيف ثلاث أولويات أراها ناقصة في النقاش العام: فصل جزء من التحلية عن محطات الكهرباء المركزية عبر تغذيتها بالطاقة الشمسية والتخزين، والربط المائي بين المدن والدول كما ربطنا الكهرباء، وتنويع مواقع المآخذ حتى لا تشترك محطات كثيرة في الخليج الضيق نفسه في خطر واحد.

ما الذي تغيره الحرب في حسابات التصميم؟

قبل 2026 كان المهندس يصمم محطة التحلية لمخاطر تشغيلية معروفة: عطل مضخة، أو انسداد أغشية، أو موجة طحالب. أما اليوم فأصبح عليه أن يفترض أيضاً أن المحطة قد تتوقف لأسباب خارج الهندسة تماماً، ولمدة لا يعرفها. وهذا يغير منطق “الاحتياطي”: لم يعد كافياً أن تكون هناك وحدة إضافية داخل المحطة نفسها، لأن الضربة أو التلوث قد يصيبان المحطة كلها.

لذلك أرى أن الاحتياطي الحقيقي يجب أن يكون جغرافياً: محطات في سواحل مختلفة، أو على بحرين مختلفين حيث أمكن، وخطوط نقل تربط بينها، وخزانات قرب مراكز الاستهلاك لا قرب المحطات فقط. وهذا أغلى في البداية، لكنه أرخص بكثير من مدينة بلا ماء لأسبوع.

دروس عملية للمهندس

  1. احسب “أيام الصمود” في أي مشروع مياه. سعة الخزانات مقسومة على الطلب اليومي رقم بسيط، لكنه يغير أولويات التصميم.
  2. صمم المأخذ كنقطة ضعف. المعالجة الأولية والمصافي ومآخذ بديلة تقلل أثر المد الأحمر والتلوث.
  3. افصل المصير الكهربائي عن المائي ما أمكن. محطة تحلية بمصدر طاقة مستقل جزئياً أكثر صموداً.
  4. تعلم هيدروجيولوجيا التخزين الجوفي. مشاريع حقن المياه واستعادتها مجال متنام يحتاج مهندسين يجمعون بين المياه الجوفية والمعالجة.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *