رأي

البناء السعودي يدفع ثمن الالتفاف حول هرمز: الكابل لم يغلُ في المصنع بل على الطريق

ماذا حدث؟

بحسب تحليل نشره موقع Arabian Gulf Business Insight (AGBI) في سبتمبر 2026، لم تعد حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها قبل الحرب مع إيران. والبضائع التي كانت تفرغ في موانئ قريبة مثل خورفكان صارت تصل إلى السعودية براً. وفي الوقت نفسه يستمر زخم البناء: بلغت قيمة عقود البناء المرساة في السعودية بين يناير ويوليو 111 مليار ريال (29.6 مليار دولار)، بزيادة تقارب 60%.

ويقول كريس سيمور، المدير الإداري للشرق الأوسط وأفريقيا في شركة Mace Consult، إن كلفة المواد عند المصدر “بالكاد تغيرت”، وإن “الكلفة الكبيرة هي في إحضارها”. ويضيف: “الشاحنة مقابل السفينة فرق هائل”، و”هذا سيكلف أكثر”.

الأرقام

  • حتى 22% ارتفاع سنوي في أسعار الأسلاك والكابلات الكهربائية المستوردة.
  • حتى 26% للأسلاك والكابلات المعتمدة على النحاس.
  • انخفاض طفيف في سعر الإسمنت في يوليو مقارنة بالعام السابق، لأنه ينتج محلياً.
  • 111 مليار ريال قيمة عقود البناء السعودية من يناير إلى يوليو، بزيادة نحو 60%.
  • نحو النصف تراجع قيمة العقود الشهرية في الخليج الأوسع بين فبراير ومايو.
  • تقديم أعمال التجهيزات الكهروميكانيكية في جداول بعض المشاريع لتأمين المواد مبكراً.

شرح مبسط: لماذا ارتفعت الكابلات ولم يرتفع الإسمنت؟

المواد الإنشائية الثقيلة منخفضة القيمة مثل الإسمنت والركام والحديد المحلي تنتج قرب المشروع، فلا تتأثر كثيراً بطرق الشحن الدولية. أما المواد الكهربائية والميكانيكية، مثل الكابلات والمحولات والمضخات ووحدات التكييف، فكثير منها مستورد، وتكلفة نقلها جزء كبير من سعرها النهائي حين يتغير الطريق.

والنقل البري أغلى بكثير من البحري لكل طن كيلومتر. فحين تتحول حاوية من سفينة إلى شاحنة لمسافة مئات الكيلومترات، يرتفع سعر المادة حتى لو لم يتغير ثمنها في المصنع. ولهذا تحديداً تأثرت الأعمال الكهروميكانيكية أكثر من الأعمال الإنشائية.

رأي: المسار جزء من التصميم، وليس بنداً لوجستياً

حين نصمم مشروعاً نحدد مواصفات الكابل ومقطعه وعزله بدقة، لكننا نادراً ما نسأل: من أين سيأتي، وعبر أي طريق، وما البديل إذا أغلق؟ وتجربة 2026 تقول إن هذا السؤال هندسي بقدر ما هو تجاري، لأن جوابه يغير الكلفة والجدول.

وأرى أن في الأرقام رسالتين. الأولى أن التوطين يعمل: الإسمنت المحلي لم يتأثر، بينما تأثرت المواد المستوردة. وهذا ليس حجة لتوطين كل شيء، بل لتوطين المواد التي تستهلكها المشاريع بكميات كبيرة ومستمرة، مثل الكابلات، حيث يكون الحجم كافياً لمصنع محلي منافس.

والرسالة الثانية تخص العقود. كما يوضح تحليل قانوني لشركة DWF في مارس، فإن اضطراب هرمز لا يمنح المقاول تلقائياً حق تمديد المدة أو التعويض؛ يجب أن يقع الحدث ضمن بنود العقد وأن يثبت أنه أخر الإنجاز فعلاً. وزيادة كلفة النقل وحدها، دون تأخير في الإنجاز، قد لا تبرر شيئاً. وينصح تحليل لمكتب Baker Donelson بإدراج بنود تعديل الأسعار المرتبطة بالوقود والشحن والمواد الخام. ورأيي أن العقد الذي يحمّل طرفاً واحداً كل مخاطر الطريق يدفع المقاول إما إلى رفع سعره مسبقاً أو إلى الخسارة لاحقاً، وفي الحالتين يدفع المالك في النهاية.

ويعجبني ما فعلته بعض المشاريع بتقديم أعمال التجهيزات الكهروميكانيكية لتأمين المواد مبكراً. لكن هذا الحل له ثمن: مخزون أكبر في الموقع، وتخزين وتأمين، وخطر تغير التصميم بعد الشراء. وهو يحتاج قراراً واعياً لا ردة فعل.

من يدفع الفرق؟

في النهاية سيدفع أحد ما فرق الكلفة: المقاول من هامشه، أو المالك عبر أوامر تغيير، أو المستخدم النهائي عبر سعر أعلى للوحدة أو الخدمة. والسؤال الهندسي الإداري هو كيف نوزع هذا الخطر بعدل منذ البداية. فالمقاول لا يتحكم في مضيق هرمز، والمالك لا يتحكم فيه أيضاً، لكن العقد الجيد يحدد مسبقاً كيف يتقاسمان أثره، فيوفر على الطرفين سنوات من المطالبات والنزاعات.

ما الذي يبقى بعد عودة الملاحة؟

حتى لو عادت حركة السفن عبر هرمز إلى طبيعتها، فإن ما تعلمناه يجب أن يبقى. المشاريع الكبرى في المنطقة تمتد سنوات، وأي مشروع يبدأ اليوم سيمر بدورات أسعار واضطرابات أخرى قبل أن ينتهي. لذلك أرى أن ثلاث ممارسات يجب أن تصبح عادية: تقييم مخاطر سلسلة الإمداد في مرحلة التصميم لا التنفيذ، وتنويع الموردين للبنود الحرجة بين أكثر من منطقة، وإعادة النظر في الجداول كل فترة على ضوء أزمنة التوريد الفعلية لا المفترضة.

والمهندس الذي يفهم سلسلة الإمداد سيكون أكثر قيمة لمشروعه من المهندس الذي يعرف المواصفات وحدها.

دروس عملية للمهندس

  1. ارسم خريطة المورد. لكل بند طويل التوريد في مشروعك، اعرف بلد المنشأ والميناء والطريق البديل.
  2. ميّز بين المواد. المواد المحلية الثقيلة أقل حساسية للطرق، والمستوردة الكهروميكانيكية أكثر حساسية؛ خطط مسارك الحرج على هذا الأساس.
  3. اقرأ بنود القوة القاهرة والتمديد قبل التوقيع. وثّق الأثر على الجدول فور حدوثه، لأن الإثبات لاحقاً أصعب.
  4. اقترح التوطين حيث يكون منطقياً. المواد ذات الاستهلاك الكبير والمستمر أولى بالتصنيع المحلي.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *