مشروعات

خط رايس رابغ يدخل الاختبارات: أنبوب مياه يعمل في الاتجاهين، ولماذا تحتاج السعودية “شبكة” مياه لا خطوطاً منفصلة؟

ما الذي حدث؟

في 10 سبتمبر 2026 أعلنت شركة Tedagua، قائدة تحالف المشروع، أن مشروع رايس رابغ المستقل لنقل المياه بلغ مرحلة الاختبارات الأولية تمهيداً للتشغيل التجاري، وأنه يسير “وفق الجدول”، بحسب Smart Water Magazine. وزار المهندس خالد القرشي، الرئيس التنفيذي لشركة “شراكة” الجهة المسؤولة عن مشروعات الشراكة في قطاع المياه، مرافق المشروع لمتابعة التقدم.

والمشروع من أوائل مشروعات نقل المياه في المملكة التي تُنفذ بنموذج المنتج المستقل، إذ يبني المطور الخط ويموله ويشغله 35 عاماً، بينما يشتري العميل الحكومي خدمة النقل.

المشروع بالأرقام

  • الطول: نحو 151 كيلومتراً من الأنابيب الفولاذية الكربونية بقطر يتجاوز مترين.
  • السعة: حتى 500 ألف متر مكعب يومياً، في الاتجاهين.
  • التخزين: خزانان بسعة إجمالية 170 ألف متر مكعب، بحسب IDRA.
  • الطاقة: محطة شمسية بقدرة 13 ميجاوات.
  • القيمة: نحو 2 مليار دولار (7.78 مليار ريال) بحسب إعلان الترسية في 2023.
  • التحالف: Grupo Cobra قائد الامتياز، وTedagua للتصميم والتنفيذ والتشغيل، والخريف لتقنيات المياه والطاقة شريكاً سعودياً.
  • العقد: بناء وتشغيل ونقل لمدة 35 عاماً.

الفكرة الهندسية: لماذا الضخ في الاتجاهين؟

خطوط نقل المياه التقليدية تعمل في اتجاه واحد: من محطة التحلية على الساحل إلى المدن. أما خط رايس رابغ فمصمم بمنظومة ضخ عكسية، تتيح نقل المياه المحلاة من رابغ نحو رايس أو العكس حسب الحاجة.

والسبب أن الساحل الغربي يضم محطات تحلية متعددة تخدم منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة. فإذا توقفت محطة للصيانة، أو ارتفع الطلب في منطقة دون أخرى، كما في مواسم الحج والعمرة، يستطيع المشغل تحويل المياه من الفائض إلى العجز. الخط هنا يعمل كـ”رابط” بين نظامين، تماماً كما تربط خطوط الكهرباء بين شبكتين لتتبادلا الطاقة.

لكن الضخ في الاتجاهين له ثمن هندسي: محطات الضخ يجب أن تعمل في الطرفين، والصمامات وأنظمة الحماية من المطرقة المائية يجب أن تتحمل تغير اتجاه التدفق، وهذا يحتاج إلى إجراءات تشغيل دقيقة لعكس الاتجاه دون صدمات ضغط.

وهناك تحدٍ آخر يخص المادة نفسها. الأنابيب من الفولاذ الكربوني، وهو قوي ومناسب للأقطار الكبيرة والضغوط العالية، لكنه معرض للتآكل من الداخل بفعل المياه المحلاة قليلة المعادن، ومن الخارج بفعل التربة الساحلية المالحة. ولذلك تحتاج هذه الخطوط عادة إلى بطانة داخلية وطلاء خارجي وحماية كاثودية، وإلى برنامج فحص دوري طوال عمر الامتياز البالغ 35 عاماً.

حساب سريع: سرعة الماء وزمن التخزين

التدفق: 500 ألف متر مكعب يومياً تساوي نحو 5.8 متر مكعب في الثانية.

السرعة: إذا افترضنا قطراً داخلياً قدره مترين، تكون مساحة المقطع نحو 3.14 متر مربع، وسرعة الماء نحو 1.8 متر في الثانية. وهذه سرعة نموذجية لخطوط النقل الكبيرة: عالية بما يكفي لنقل كمية كبيرة، ومنخفضة بما يكفي للحد من فواقد الاحتكاك والتآكل.

زمن الرحلة: بهذه السرعة يقطع الماء 151 كيلومتراً في نحو 23 ساعة.

التخزين: 170 ألف متر مكعب تعادل نحو ثماني ساعات من التدفق الكامل. وهذا يعطي المشغل هامشاً لتشغيل المضخات بكثافة في ساعات معينة، مثل ساعات إنتاج الطاقة الشمسية أو ساعات انخفاض أحمال الكهرباء، وتخفيفها في غيرها.

رأي: قيمة الخط في المرونة لا في السعة

حين نقرأ رقم 500 ألف متر مكعب يومياً، نميل إلى قياس المشروع بكمية الماء. لكن رأيي أن قيمة رايس رابغ الحقيقية في شيء لا يظهر في السعة: المرونة. الخط يحول محطات تحلية منفصلة إلى ما يشبه شبكة، وكل شبكة أكثر موثوقية من مجموع أجزائها. وفي منطقة تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين، فإن القدرة على تحويل المياه بسرعة بين المنطقتين قيمة أمنية قبل أن تكون اقتصادية.

ولدي ملاحظتان:

  1. الجدول تحرك قليلاً. إعلان الترسية في 2023 تحدث عن تشغيل تجاري متوقع في الربع الثاني من 2026، والمشروع دخل الاختبارات الأولية في سبتمبر 2026. التأخير محدود بمقاييس المشروعات الكبرى، لكنه يذكّر بأن الخطوط الطويلة تكشف مشكلاتها في مرحلة الاختبار، من تسرب الوصلات إلى ضبط الصمامات.
  2. 13 ميجاوات من الشمس رقم صغير. المحطة الشمسية لا تغطي إلا جزءاً من طاقة الضخ، لكنها مع الخزانات تفتح باباً مهماً: تشغيل الضخ في ساعات الشمس وتخزين الماء لساعات الليل. وأرى أن هذا النمط يجب أن يصبح قاعدة في كل خطوط النقل الجديدة.

دروس عملية للمهندس

  1. فكر في الشبكة لا في الخط. تصميم خطوط تربط مصادر متعددة يرفع موثوقية النظام كله، والمهندس الذي يجيد نمذجة الشبكات الهيدروليكية مطلوب.
  2. التشغيل العكسي يحتاج إلى تحليل عابر. عكس اتجاه التدفق في خط طويل يتطلب دراسة المطرقة المائية وتسلسل تشغيل الصمامات والمضخات.
  3. الخزانات أداة لإدارة الطاقة. التخزين لا يحمي من الانقطاع فقط، بل يسمح بنقل الضخ إلى ساعات الطاقة الرخيصة.
  4. افهم نموذج المنتج المستقل. نقل المياه بات يُشترى كخدمة بعقود طويلة، وهذا يغير دور المهندس من مصمم إلى شريك في الأداء.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

برعاية