المغرب يعترف: التمويل العام لم يعد يكفي السكك الحديدية، فمن يدفع ثمن البراق إلى مراكش؟
ما الذي حدث؟
افتُتحت في الرباط يوم 14 أكتوبر 2026 الدورة الثانية من المنتدى الدولي حول حلول الاستثمار والتمويل لمستقبل السكك الحديدية في إفريقيا، تحت الرعاية الملكية، ويستمر حتى 15 أكتوبر. وقال محمد ربيع الخليع، المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، إن برنامج الاستثمار السككي في المغرب حتى 2030 يتجاوز 10 مليارات يورو، وإن التمويل العمومي التقليدي لم يعد كافياً، بحسب هسبريس.
ودعا الخليع إلى الانتقال “بشكل عاجل من مرحلة التشخيص إلى العمل على الأرض”، بحسب هسبريس الفرنسية، فيما ألقى الكاتب العام لوزارة النقل واللوجستيك كلمة باسم الوزير، دعا فيها إلى إطار تعاقدي أقوى بين الدولة والمكتب.
البرنامج بالأرقام
- الحجم: أكثر من 10 مليارات يورو حتى 2030 بحسب المكتب، أو 96 مليار درهم بحسب Médias24. وتحدث ممثل الوزارة عن برنامج بقيمة 134 مليار درهم يشمل أيضاً الربط بميناء الناظور غرب المتوسط والقطارات الجهوية.
- القطار فائق السرعة: مد خط البراق إلى مراكش لتصل الشبكة السريعة إلى نحو 630 كيلومتراً.
- الخط الجديد: خط القنيطرة مراكش بطول 430 كيلومتراً، بحسب Médias24.
- القطارات: اقتناء 168 قطاراً جديداً، وتحدث المكتب عن 660 عربة وقطاراً.
- قطارات الضواحي: تطوير خدمات قطار سريع حضري (RER) في المدن الكبرى، منها مكون للدار البيضاء بقيمة 20 مليار درهم.
- الركاب: أكثر من 55 مليون مسافر سنوياً على الشبكة.
- السندات الخضراء: أصدر المكتب مليار درهم في 2022، ثم ملياري درهم في 2025، وملياري درهم في 2026.
وفي اليوم التالي للمنتدى، نشرت Médias24 أن المكتب أرسى صفقة بقيمة نحو 437.6 مليون درهم على شركة Jet Contractors لبناء خمس محطات بين بنجرير ومراكش، منها محطة للقطار فائق السرعة في المدينة الخضراء ببنجرير ومحطة “ملعب مراكش”، بعرض يزيد بنحو 13.6% على التقدير الأولي للصفقة.
لماذا لا تغطي التذاكر تكلفة القطار؟
ناقش المنتدى نقطة يعرفها اقتصاديو النقل: إيرادات الركاب نادراً ما تغطي تكلفة إنشاء خط سكة حديد. والسبب أن جزءاً كبيراً من فوائد القطار لا يدخل في سعر التذكرة: تخفيف الزحام على الطرق، والسلامة، وخفض الانبعاثات، وربط المدن بالموانئ والمناطق الصناعية. هذه فوائد يجنيها المجتمع والاقتصاد، لا شباك التذاكر.
وفي المقابل، أشار المتحدثون إلى أن ممرات الشحن التي تربط المناجم بالموانئ والمناطق اللوجستية قد تكون أكثر جدوى تجارية، لأن الزبون فيها شركة تدفع مقابل خدمة واضحة.
وطرح مسؤولو المكتب ستة مسارات للتمويل، بحسب Médias24: الادخار طويل الأجل لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين، وبنوك التنمية، وتمويل الصادرات من الدول المصنعة للقطارات، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والسندات الخضراء، وتمويلاً مرتبطاً بمعايير الاستدامة قيد الدراسة.
وطُرح في المنتدى مسار سابع أبعد مدى: تسعير الكربون. فقد قال فرانسوا دافين، المدير العام للاتحاد الدولي للسكك الحديدية، إن دراسة للاتحاد تقدر أن السكك يمكن أن تتجنب 1.8 جيجاطن من الانبعاثات في الدول النامية بحلول 2050، بقيمة إيرادات محتملة بين 27 و72 مليار دولار. لكن الدراسة تفترض نحو 100 يورو للطن، بينما تقل أسعار السوق الفعلية عن 20 يورو، بحسب هسبريس. أي أن هذا المسار ما زال وعداً أكثر منه مصدراً جاهزاً للمال.
رأي: الشراكة مع القطاع الخاص ليست “مالاً إضافياً”
أكثر ما أعجبني في طرح المكتب أنه وصف الشراكة بين القطاعين العام والخاص بدقة: إنها آلية لتقاسم المخاطر، لا مصدر تمويل بحد ذاتها. فالمستثمر الخاص لا يدفع ثمن الخط من جيبه، بل يقرض أو يستثمر ويسترد ماله لاحقاً، غالباً من الدولة نفسها عبر دفعات الإتاحة. وإذا لم تُصمم العقود جيداً، فقد تصبح الشراكة أغلى من الاقتراض المباشر.
ولذلك رأيي أن الأنسب للمغرب مزيج واضح:
- السندات الخضراء والادخار طويل الأجل للبنية الأساسية. السكة أصل يعيش 40 عاماً أو أكثر، وتمويله بأموال صناديق التقاعد التي تبحث عن عائد طويل ومستقر منطقي تماماً. والمكتب أثبت قدرته على هذا الطريق بثلاثة إصدارات.
- الشراكة للأجزاء التي يمكن قياس أدائها. الصيانة، والمحطات، وتشغيل خطوط الضواحي، أجزاء يمكن ربط دفعاتها بمؤشرات أداء واضحة.
- الدولة تتحمل ما لا يستطيع غيرها تحمله. نزع الملكية والمخاطر التنظيمية والسياسية تبقى على الجانب العام، كما قال المتحدثون أنفسهم.
ويبقى عندي تحفظ: مد البراق إلى مراكش مرتبط بموعد كأس العالم 2030، والمواعيد الثابتة تضغط على المفاوضات المالية لصالح المقرض والمقاول. وكلما تأخر حسم التمويل، ارتفع ثمن الوقت.
دروس عملية للمهندس
- تعلم لغة التمويل. فهم الفرق بين القرض وسندات المشروع ودفعات الإتاحة يجعل المهندس شريكاً في القرار لا منفذاً فقط.
- احسب الفوائد خارج التذكرة. تحليل التكلفة والعائد الاقتصادي والاجتماعي هو ما يبرر مشروعات السكك، لا الإيراد المباشر وحده.
- راقب الفرق بين التقدير والعقد. عرض يتجاوز التقدير بنسبة 13.6% يذكرنا بأن دقة التقدير الأولي مهارة هندسية مؤثرة.
- الشحن قد يموّل الركاب. ممرات المناجم والموانئ ذات الإيراد الواضح تفتح الباب لتمويل خاص أسهل.
المصادر
- هسبريس الإنجليزية، “Morocco unveils €10 billion rail investment plan as African Financing Forum opens” (14 أكتوبر 2026)
- هسبريس الفرنسية، “Rail africain : Rabat plaide pour de nouveaux mécanismes de financement” (14 أكتوبر 2026)
- Médias24، “Infrastructures ferroviaires : le financement public ne suffit plus, l’ONCF explore de nouvelles pistes” (14 أكتوبر 2026)
- Médias24، “LGV Kénitra-Marrakech : cinq nouvelles gares prévues entre Benguerir et Marrakech” (15 أكتوبر 2026)

