مشروعات

طريق التنمية العراقي يبحث عن تمويل بالنفط: هل يكفي اتفاق مع تركيا لتحويل التصاميم إلى قضبان؟

ما الذي حدث؟

في 10 أكتوبر 2026 أعلنت وزارة النقل العراقية أنها تقوم بتحركات دبلوماسية ومالية للوصول إلى اتفاق ثنائي مع تركيا قائم على مبدأ “النفط مقابل التمويل”، بحسب موقع Iraqi News. والفكرة إنشاء أداة استثمار سيادية تمولها مخصصات من النفط الخام العراقي، تُدفع منها مستحقات الشركات التركية التي ستنفذ أجزاء أساسية من السكة والمحطات والطريق السريع، على أن تتولى جهات إقراض متعددة الأطراف تمويل المرحلة الأولى.

وقال فاضل عباس، مدير المشاريع في الشركة العامة لسكك حديد العراق، لوكالة الأنباء العراقية إن الممر “دخل مراحل الهندسة والتصميم التفصيلي”. وأوضح الخبر أن المرحلة التشغيلية الأولى ممولة بقرض من البنك الدولي، وتشمل تحديث الخط الرئيسي من بغداد جنوباً إلى البصرة وأم قصر، وشمالاً عبر الموصل، مع الربط بميناء الفاو الكبير ومنفذ فيشخابور على الحدود التركية.

المشروع بالأرقام

  • الطول: ممر بطول نحو 1200 كيلومتر من ميناء الفاو الكبير في البصرة إلى الحدود التركية.
  • التصاميم: 95% لتصاميم السكة و85% لتصاميم الطريق السريع، بحسب إحاطة وزير النقل وهاب الحسني للجنة النقل النيابية في 11 أغسطس 2026. وكانت النسبتان 87% و73% في ديسمبر 2025، وفق The New Region.
  • ميناء الفاو الكبير: النفق المغمور بلغ 86% في أغسطس 2026، مع أعمال متقدمة في خمسة أرصفة رئيسية للحاويات.
  • التكلفة التقديرية: نحو 17 إلى 20 مليار دولار، بحسب تحليل نشره مركز ميرو نقلاً عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.
  • قرض البنك الدولي: 930 مليون دولار أُقرت منتصف 2025 لتحديث العمود الفقري للسكك من الشمال إلى الجنوب، وهي غير مخصصة رسمياً للممر.
  • المراحل: المرحلة الأولى بحلول 2028، والثانية 2033، والثالثة 2050، بحسب The New Region.
  • الربط: المشروع يتصل بمطارات بغداد والبصرة والنجف وبمطارات جديدة في الناصرية وكربلاء والموصل، و15 مدينة صناعية، بحسب وزارة النقل.

الفكرة الهندسية: لماذا يبدأ الممر من تحديث الخط القائم؟

قد يبدو أن مشروعاً بهذا الحجم يجب أن يبدأ بخط جديد كلياً. لكن المرحلة الأولى الممولة من البنك الدولي تبدأ بتحديث الخط القائم بين البصرة وبغداد والموصل. وهذا منطقي هندسياً لثلاثة أسباب:

  1. الحرم موجود. أصعب ما في مشروعات السكك الطويلة هو استملاك الأراضي وتثبيت المسار. الخط القائم يملك حرمه بالفعل، فيختصر سنوات.
  2. الإيراد المبكر. تحديث الخط يسمح بتشغيل قطارات شحن أثقل وأسرع قبل اكتمال الخط الجديد، فيبدأ الممر في تحقيق دخل يساعد في تمويل بقية المراحل.
  3. الربط بالميناء أولاً. قيمة الممر كلها تعتمد على حركة البضائع من الفاو. ولذلك فإن النفق المغمور تحت خور الزبير، الذي يربط الميناء بالبر، عنصر حرج. والنفق المغمور يُبنى من قطع خرسانية ضخمة تُصب على اليابسة ثم تُعوَّم وتُغمر وتُثبت في خندق محفور في قاع المجرى، وهي تقنية دقيقة لأن أي خطأ في المحاذاة يصعب تصحيحه تحت الماء.

رأي: التمويل بالنفط يحل مشكلة ويخلق أخرى

أفهم منطق “النفط مقابل التمويل”. العراق يملك النفط ولا يملك فائضاً نقدياً كافياً لمشروع بعشرين مليار دولار، والشركات التركية تملك خبرة التنفيذ وتريد ضمان الدفع. لكن رأيي أن هذا النموذج يحمل ثلاثة مخاطر يجب أن يُصمم الاتفاق لتجنبها:

  1. ربط المشروع بسعر النفط. إذا انخفضت الأسعار، تقل قيمة المخصصات، وقد تتباطأ الدفعات ثم الأعمال. والمشروعات الكبرى التي تتوقف في منتصفها تخسر أكثر من تلك التي لم تبدأ.
  2. غياب المنافسة. حين يرتبط التمويل بدولة واحدة وشركاتها، تضعف المنافسة على الأسعار والجودة. ووزارة النقل نفسها كانت تتحدث في 2025 عن تقسيم المشروع إلى أقسام لتشجيع المنافسة.
  3. الحوكمة. تحليل مركز ميرو يحذر من أن يتحول الطريق إلى “ساحة عقود” بسبب التنافس الداخلي على الصفقات. ويذكر أن الحكومة الجديدة ألغت في يونيو 2026 مشروعات سكك ومطار سبق إقرارها، بسبب شبهات فساد. وهذا يعني أن الخطر الأكبر ليس هندسياً، بل في استقرار القرار.

وهناك عامل خارجي يرفع قيمة المشروع اليوم: أزمة مضيق هرمز جعلت فكرة ممر بري من الخليج إلى أوروبا أكثر جاذبية، كما يشير تحليل ميرو. لكن الجاذبية الاستراتيجية لا تعوض ضعف التنفيذ، بل تزيد كلفة التأخير.

وفي رأيي أن أهم خطوة ليست توقيع اتفاق التمويل، بل إنشاء جهة مستقلة لإدارة الممر بعقود منشورة ومراحل واضحة. التصاميم بلغت 95%، والنفق يقترب من الاكتمال، أي أن الهندسة تتقدم أسرع من المؤسسات. وما لم تلحق الإدارة بالهندسة، سيبقى المشروع مجموعة أجزاء جاهزة لا تعمل معاً.

دروس عملية للمهندس

  1. ابدأ مما هو موجود. تحديث الخطوط والحرم القائم كثيراً ما يكون أسرع طريق لإثبات جدوى ممر جديد.
  2. تعلم تقنيات الأنفاق المغمورة. هذه التقنية تتكرر في الموانئ والمضايق، وتجمع الهندسة البحرية والإنشائية والجيوتقنية.
  3. افهم نماذج التمويل. المهندس الذي يعرف الفرق بين القرض السيادي والشراكة مع القطاع الخاص والتمويل مقابل السلع يستطيع أن يقرأ مخاطر المشروع قبل أن يوقع عقده.
  4. التصميم بنسبة 95% لا يعني مشروعاً جاهزاً. المسافة بين التصميم والتنفيذ هي المال والاستملاك والقرار.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *